نور زهري
الأحد 24/06/2007
يوم مشمس و جميل, مليء بمشاعر حساسة و دموع تتصارع لتسيل تعبيراً عن الفراق و مغادرة لازمة و اضطرارية. لكن هناك دائما توازن في الحياة من تنظيم حكيم عليم يتجلى في كل المواقف و الأزمنة.
وسط هذه المشاعر المعقدة و المضطربة, يلوح من مقعد على يمين الحافلة "نور زهري", و جمال سبحان خالقه, و سحر يسافر بالقلب إلى بحار الهوى, فتتباطأ دقاته حينا و تتسارع حينا آخر.
وأنا في غمار اضطرابي و هيامي و حيرتي, "تكلمني". لديها روح جميلة و محبة و مليئة بالحنان, تحب تقديم العون والمساعدة بشغف و محبة. جلست على مقعد خلف مقعدها و أنا في عالم آخر, فيه سماء زرقاء و سحاب أبيض, و "النور الزهري". جلس بجانبها و راح يكلمها, وأنا أراقبها و بريق في عيني لم أعهده من قبل. كشفَتْ أمري و استدارت نحوي, فلم أستطع إلا أن أغض بصري والخجل يحبس الدم كله في وجهي. لقد انبهرتُ بمحياها, وبنظراتها العفوية و البريئة و لم أستطع مقاومتها. تعود و تكلمه و أعود أنا لمراقبتها. لقد انتبهت لي و إلى ما أفعله, و راحت تراقبني هي الأخرى من حين لآخر. لقد علمت من خلال حديثهما أنها من مدينة سلا و أنها متجهة إلى سوق السبت. بعد وقت قصير ودعا و نزل من الحافلة, فنزلت بعد ذلك أيضا لأشتري مشروبا غازيا, فإذا بها تناديني و تطلب مساعدتي في أخذ قارورة ماء من سلّة الحافلة, تشكرني بابتسامة ساحرة أفقدتني وعيي للحظات.
تعود الحافلة إلى الطريق و تستكمل السفر, وأواصل بدوري مراقة "النور الزهري". حاولت أن تُفرغ كأس ماء من النافذة, لكنها لم تدري أن الماء سيقع على وجهي. تستدير بسرعة و تسألني: "واش رشيتك ؟", فأبتسم و أهز رأسي ب "نعم", فوضعت يدها على شفتيها و تجمع الدم الزهري على خديها و قات بنفس الابتسامة الساحرة و بصوت خافت: "اسمح ليا بزاااااف". ابتسمت لها أيضا و قلت: "ماكاين حتى مشكل". تعض شفتها الزهرية و تستدير والابتسامة على وجها. تستدير مرة أخرى و تبتسم و أنا معطل تماما في تلك الأثناء. وما هي إلا دقائق حتى توقفت الحافلة و بدأت تستعد للنزول...
نظرت إلى مقعدها فوجدت جريدة, فقلت لها: " ربما قد نسيت الجريدة؟ ", فقالت :"لا مشي ديالي", فنزلت و ابتعدت و راح معها كل تفكيري و خيالي, ولم يبقى لي منها إلا الذكرى و الجريدة التي لازلت أحتفظ بها. كان قولها " مشي ديالي" قد عبر كل التعبير عن أنها "مشي ديالي" وأني " مشي ديالها". لقد تخيلتها في لحظة من اللحظات كأنها زوجتي و رأيت أنها تناسني كثيرا و أن فيها كل ما أريده في شريكة حياتي. لم أحس هذا الشيء من قبل, لكنه لم يتعدى حدود الخيال و الإحساس. راحت و ابتعدت و تركت نورها الزهري. لم أعرف شيئا عنها أو حتى عن اسمها كل ما أعرفه عنها هو جمالها الناذر وبراءتها وعفويتها و حنانها و "نورها الزهري". كان شعرها أسود , عليه مقبض أزرق فاتح, ترتدي قميصا زهريا و سروالا أبيضا. كانت برفقة أبيها المسن أبيض الشعر الضخم الخفيف الظل اللطيف و الاجتماعي بشكل فريد, يحب أن يكلم الناس باستمرار ولا يحب السكون و الصمت. لقد غابت و رحلت ولا أدري هل مقدر لي أن أرى ذلك "النور الزهري" من جديد.