يا ولدي... تخيلتُ أنني قد بلغتُ الأربعين... فكتبتُ هذه الكلمات إلى أبني الذي لم يتيسر لي أن ألتقي بأمه حتى الآن... ثم وضعتها على منضدته عله يقرأها إذا استيقظ من منامه... وقد كتبتها في لحظة انفعال وهيجان شديدين فإن رأيت فيها شيئاً من القسوة فأعذرني فإنما هو فلذة كبدي وبهجة نفسي وقرة عيني .... ويكفي أن أقول إنه ولدي وهذا هو نص الرسالة:-
يا ولدي ألا ترى الشباب قد فارقني والشيبَ قد داهمني فأصاب لحيتي
وعرج على مفرق هامتي... ثم أولا ترى عهد الصبا قد ولى وسن الشباب قد تولى فلم أعد أرى في هذه الدنيا غيرك.. ولم يعد يتسع فؤادي إلا لك فاسمع مني نصيحة من تجاربي وخبرتي.. خالصة لك دون سواك...
أما وإنك قد بلغت الثامنة عشر من عمرك وصرت تعد في صفوف الرجال كان لزاماً على أن أصارحك... وأن أكشف جميع الأوراق بين يديك التي طالما خبأتها عنك لا تهويناً من أمرك أو استصغاراً لك ولكن انتظاراً للوقت المناسب.
يا ولدي إنك لو نظرت ذات اليمين.. لرأيت فتاة سافرة تتكسر في مشيتها وتتخلع في حركاتها وتبالغ في إظهار زينتها, ورائحة العطر تفوح منه وهي في كامل تجملها ومنتهى أناقتها..
وإذا نظرت ذات الشمال.. رأيت بأم عينك شاباً يتعرض لنساء المسلمين بكلمات الغزل وساقط القول وفاحش الكلام ... أو تظن يابني أن مثل هذا يردعه الخوف من الله أو من عقوبته؟؟؟؟؟
أو حتى من الفضيحة....؟؟؟
نعم يا ولدي حتى الفضيحة لم تعد رادعاً عن فعل السوء بل معناها بدأ ينحسر في عصر المدينة والحرية الشخصية.
أما حال الشباب في مدرستك فأنت أعلم به مني فلا تكاد تسمع إلى حديث الغريزة .. وأخبار الأفلام وأحوال الأغاني والمعنيين.. ولعلي لا أذهب بك بعيداً فهنا .. نعم هنا يابني بجانب بيتنا يقع هذا المقهى الخبيث الذي ولعمر الله
لا أحسبه إلا وكراً من أوكار الرذيلة والفساد لكنه بسربال الثقافة والمعرفة
فترى قطعان من الشباب فيه وتطيل المكث فيه حتى ساعات متأخرة من الليل .. فما هو السبب في ذلك؟؟
أهو الهم في تحصي وطلب العلم أم ماذا...؟؟؟؟
اتمنى الإجابة من أحد رواد تلك المقاهي..
ولقد فكرت مراراً في أن أزوجك لكي أحصنك ولكن من لي بأبٍ يقبل
ابن الثامنة عشر زوجاً لابنته؟؟ لذا طلقت هذه الفطرة تماماً...
يا ولدي.. إنك قد تحررت من كل القيود وتخلصت من جميع المراقبين ولئن كان الأب والمربي من قديم... يستطيع التحكم فيما يراه ابنه إلا أنه لا يستطيع فعل ذلك الآن فلم يعد يجدي أسلوب الترهيب ولا حتى الترغيب إن لم يكن عن قناعة.....
فالخوف من الإقدام وخشية الفضيحة.. ونظرة المجتمع ومراقبة الأب كانت في الماضي كالعقد الذي يزيد معصم ذلك الجيل إلا أنها تناثرت تباعاً ولم يبق إلا حلقة واحدة ... حلقة عز أن تجدها عند كل الناس.. وإن وجدت فإنها مهزوزة ضعيفة ... وهذه الحلقة يا بني هي واعظ الله في قلبك لأن كل شيء متوفر لديك.. المال والصحة والفراغ وكذا... سُعار الغريزة ونار الشهوة التي تحرق أحشاءك والتي يضرم نيرانها هذا الانفتاح الرهيب على الغرب وبلا اتزان..
وهذه الحلقة هي التي ستكبح جماح نفسك وشهواتك بإذن الله.. وستكون كبرهان يوسف(ع) في قلبك ولكن إن سقطت هذه الحلقة ولحقت بسابقتها
فعليك يا بني الســـــــــــــــــــــــــلام.
منقول من
خادم اهل البيت / عباس