السلام عليكم
ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم
أولاً مكان ولادته صلى الله عليه وسلم
ولد النبي صلى الله عليه وسلم بمكة على القول الصحيح الذي عليه الجمهور واختُلف في مكانه من مكة على أقوال أحدها في الدار التي في الزقاق المعروف بزقاق المولد في شعب مشهور بشعب بني هاشم وكانت بيد عقيل قال ابن الأثير رحمه الله تعالى قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبها عقيل بن أبي طالب فلم تزل بيده حتى توفي عنها فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج وقيل إن عقيل باعها بعد الهجرة تبعاً لقريش حين باعوا دور المهاجرين
الثاني أنه صلى الله عليه وسلم ولد في شعب بني هاشم حكاه الزبير
الثالث أنه ولد صلى الله عليه وسلم بالرَّدم
الرابع بعسفان
قال الدكتور محمد أبو شهبة وقد صارت هذا الدار إلى محمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج ذلك أن ابن عقيل بن أبي طالب باع دور من هاجر من بني هاشم ومنها هذه الدار وقد أدخلها محمد بن يوسف هذا في داره التي يقال لها البيضاء ولم تزل كذلك حتى حجت الخيزران أم الرشيد فأفردت ذلك البيت وجعلته مسجداً وقيل إن التي بنته هي السيدة زبيدة زوجته حين حجَّت وقد بقى هذا المسجد حتى هدم أخيراً
ثانياً زمان ولادته صلى الله عليه وسلم
لما أخذت أشهر الحمل بالسيدة الشريفة آمنة بنت وهب تتقدم وهي تترقب الوليد الذي حملته في بطنها تسعة أشهر ولما بلغ الكتاب أجله وبعد تسعة أشهر أذن الله للنور أن يسطع وللجنين المستكن أن يظهر إلى الوجود وللنسمة المباركة أن تخرج إلى الكون لتؤدي أسمى وأعظم رسالة عرفتها الدنيا في عمرها الطويل قال الإمام الشامي الصواب أنه صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن يوم الاثنين فقال ذاك يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه وروى يعقوب بن سفيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين وروى الزبير بن بكار وابن عساكر
عن معروف
بن حزّبوذرحمه الله تعالى قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين حين طلع الفجروقال الحافظ أبو الفضل العراقي في المورد الصواب أنه صلى الله عليه وسلم ولد في النهار وهو الذي ذكره أهل السير وحديث أبي قتادة مصرح به وعن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إبهار النهار وجزم به ابن دحية وصححه الزركشي في شرح البردة ومن قال كذلك أنه ولد يوم الاثنين ابن إسحاق وابن كثير وابن القيم وغيرهم كثير والحق معهم للحديث السابق أما عن الشهر الذي ولد فيه وتاريخ هذا اليوم فقد اختلف فيه العلماء فقال ابن إسحاق ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل وقال ابن كثير ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول وقيل ثامنة وقيل عاشرة وقيل لثنتي عشرة منه وقال الزبير بن بكار ولد في رمضان وهو شاذ حكاه السهيلي في الروض وقيل في التاسع من شهر ربيع الأول أما العام فقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى عام الفيل قال ابن كثير وهو المشهور عند الجمهور وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي شيخ البخاري وهو الذي لا يشك فيه أحد من العلماء وحكاه خليفة بن الخياط وابن الجزَّار وابن دحية وابن الجوزي وابن القيم وغيرهم إجماعاً وروى البيهقي والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل يعني عام الفيل وروى ابن إسحاق وأبو نعيم والبيهقي عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل كنا لِدَيْنِ وسأل عثمان بن عفان قياث بن أشيم الكناني ثم الليثي يا قياث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أسن منه ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ووقفت بي أمي على خذق الفيل أخضر مُحِيلا وعلى هذا فقيل بعد الفيل بخمسين يوماً قال ابن كثير وهو أشهر وصححه المسعودي والسهيلي وزاد أنه الأشهر والأكثر وقيل بزيادة خمس وقيل بزيادة ثمان وروى ابن مسعود ابن عساكر عن أبي جعفر الباقر رحمه الله تعالى قال كان قدوم أصحاب الفيل في النصف من المحرم ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بخمس وخمسين ليلة وصحح الحافظ الدمياطي هذا القول وقيل بأربعين يوماً وقيل بشهر وستة أيام وقيل بعشر سنين وقيل بثلاثين عاماً وقيل بأربعين عاماً وقيل بسبعين عاماً وكان مولده صلى الله عليه وسلم لأربعين خلت من ملك كسرى أنو شروان ويوافق ذلك العشرين أوالثاني والعشرين من شهر أبريل سنة 571 وقيل 570 ومن هنا نأتي على القول بأنه ولد في يوم الاثنين في شهر ربيع الأول لأول عام من حادثة الفيل هذا هو القول الذي عليه أغلب العلماء وروى ابن سعد أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لما ولدته خرج مني نور أضاءت له قصور الشام وقد روى أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى وخمدت النار التي يعبدها المجوس وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت روى ذلك البيهقي قال الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه صحيح السيرة النبوية14 ما نصه ذكر ارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران ورؤيا الموبذان وغير ذلك من الدلالات و ليس فيه شيء قلت ومراده رحمه الله أنه لم يرد فيه شيء صحيح
ويقول الدكتور أكرم ضياءالعمري حفظه الله
في كتابه القيم السيرةالنبوية الصحيحة1/98الي101 ما نصه وكذلك وردت روايات موضوعة حول هواتف الجان في ليلة مولده وتبشيرها به وانتكاس بعض الأصنام في المعابد الوثنية بمكة وحول ارتجاس إيوان كسرى وسقوط شرفاته وخمود نيران المجوس وغَيض بحيرة ساوة ورؤيا الموبذان الخيل العربية تقطع دجلة وتنتشر في بلاد الفرس كذلك وردت روايات ضعيفة عن إخبار يهود بليلة مولده وإخبار الراهب عيصا بمر الظهران بمولده وقول العباس عمه إنه رآه في المهد يُناغي القمر ولكن ثمة أخباراً تَقوى ببعضها إلى الحسن احتفَّت بمولده منها ما يفيد أن آمنة رأت حين وضعته نوراً خرج منها أضاءت منه قصور بصرى من أرض الشام اهـ ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده فجاء مستبشراً ودخل به الكعبة ودعا الله وشكر له واختار له اسم محمدهذا ما كان في مولده صلى الله عليه وسلم جعلنا الله من المتبعين لسنته المهتدين بهديه المقتفين أثره إنه سميع قريب والحمد لله رب العالمين
المراجع
1- سبل الهدى والرشاد 1/338
2- السيرة النبوية 1/174
3- مسند أحمد رقم الحديث 2506 وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/463رواه أحمد والطبراني في الكبير وزاد فيه وفتح بدرا يوم الاثنين ونزلت سورة المائدة يوم الإثنين (اليوم أكملت لكم دينكم) وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح وضعفه شعيب الأرناؤوط في تعليقه على المسند
--------------------------------------------------------------------------------
طفولته وشبابه صلى الله عليه وسلم
• لقد سجلت المراجع التاريخية المروية بأسانيد متصلة إلى جميع المصادر الثابتة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم – تفاصيل نشأة النبي صلى الله عليه وسلم ، وما مر بها من أحداث خلال فترة الطفولة والصبا ، فذكرت تلك المصادر أنه صلى الله عليه وسلم بعد ولداته تولت إرضاعه حليمة السعدية ، حيث كانت عادة العرب أن تدفع بأطفالها إلى نساء البوادي ليقمن بإرضاع الأطفال في البادية حتى ينشأوا على الفصاحة ، والفطرة السليمة ، والقوة البدنية .
وقد روت المصادر الإرهاصات التي حدثت لحليمة وزوجها منذ أن حل بهم الطفل الجديد – محمد صلى الله عليه وسلم – إذ تحول حالهما من العسر إلى اليسر ، فقد أصبحت شاتهم العجفاء دارة للبن ، وحتى حليمة ذاتها أصبح ثديها مدرارا للبن لأنها رضيع النبي صلى الله عليه وسلم ، وغير ذلك مما روته حليمة فيما ذكرته المصادر .
وقد بقى الصبي مع حليمة حتى بلغ الخامسة من عمره ، وما أعادته إلا أنها خافت عليه من واقعة حدثت له،وهي حادثه شق الصدر . ذلك أن ملكين جاءاه صلى الله عليه وسلم وهو بين صبية يلعبون فأخذاه وشقا صدره وأخرجا قلبه وغسلاه في طست ثم أعاداه موضعه فالتئم الجرح كأن شيئاً لم يكن ، فلما حكى الصبية وفيهم صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة لحليمة وزوجها خافا عليه خوفاً شديداً فقررا إعادته إلى ذويه بمكة ، ولكن ما بلغ الصبي السادسة من عمره حتى توفيت أمه آمنة ، فتولى تربيته جده عبد المطلب فلما بلغ الصبي ثماني سنين وشهرين وعشرة أيام توفى جده عبد المطلب فانتقلت رعايته إلى عمه أبي طالب ، فبقى بكنفه حتى بلغ أربعين سنة . وكان صلى الله عليه وسلم في أول شبابه عمل في رعي أغنام قريش على دراهم يعطونها إياه على ما هي عليه سنة الأنبياء من قبله
--------------------------------------------------------------------------------
النبي بعد البعثة
1 - شكه وترديده في نبوته : قصة بدء الوحي حدث ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : أول ما بدأ به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الوحي ، الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق
الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد ليالي عديدة ، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بمثلها ، حتى جاءه الحق ، وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ ، قال : ما أنا
بقارئ ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال : اقرأ . قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني ، فقال : ( اقرأ باسم ربك الذي
خلق خلق الإنسان من علق اقرء وربك الأكرم ) . . . . فرجع بها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع . فحدث خديجة بذلك وأخبرها الخبر
، وقال : لقد خشيت على نفسي . فقالت خديجة : كلا والله ما يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق . فانطلقت به خديجة ، حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى
بن عم خديجة ، وكان امرءا تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي . فقالت له خديجة : يا بن عم ! اسمع من ابن أخيك . فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ،
ترى ؟ فأخبره رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بما رأى . فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزل الله على موسى ،
يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أو مخرجي هم ؟
قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي .
في هذا الحديث الذي أخرجه الصحيحان فإن جملة ( وإني خفت على نفسي ) مبهمة ومجملة ، ومتعلق الخوف فيها محذوف
وأما ابن سعد أخرج هذه القصة في حديثين بشكل واضح وصريح ، وذكر متعلق الخوف فيه أيضا وقال : وإني خشيت أن أكون كاهنا وإني أخشى أن يكون في جنن .
ونقلها الطبري كذلك في تاريخه عن عبد الله بن زبير قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ولم يكن من خلق الله أبغض إلي من شاعر أو مجنون ، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما . قلت : إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون لا تحدث بها
عني قريش أبدا لأعمدن إلى حالق من الجبل ، فلأطرحن نفسي منه ، فلأقتلها ولأستريحن ، قال : فخرجت أريد ذلك ، حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
ويظهر من تصريح ابن سعد والطبري وما ورد في صدر الحديث الذي أخرجه
ويستفاد من هذا الحديث :
أولا : إن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان شاكا ومترددا في نبوته حتى بعد نزول الوحي والقرآن عليه ، وهبوط جبرئيل إليه ، وكان يخيل إليه أن الجن قد حل فيه .
وهؤلاء المخرجون للحديث أرادوا بذلك تثبيت ما كان عرب الجاهلية يعتقدونه بعد نزول الوحي من أن النبي ( صلى الله عليه
وآله ) كاهن أو شاعر ، - مع أنه كان يكره الكهان والشعراء والجنون - وحاول الانتحار بأن يطرح نفسه من جبل شاهق
ليريح نفسه ، ولكن خديجة وابن عمها ورقة بن نوفل ساعداه حتى أذهبا عنه ما كان فيه من الخوف والروع ، وذكروه بأن هذه المسألة لا علاقة لها بالأجنة بل هي وحي ونبوة . فعلى هذا ، كيف يعقل أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لا يعلم أنه
نبي ورسول حتى بعد نزول الوحي عليه ، في حين أن الكهنة والرهبان كانوا على علم برسالته منذ أمد بعيد . وهل يعقل أن يبعث الله نبيا وليس للرسول خبر عن هذه الرسالة الملقاة على عاتقه ؟ حتى أنه لا يستطيع أن يميز بين الوحي الإلهي
والوساوس الشيطانية ؟ بينما نقرأ في القرآن بأن النبي عيسى ( عليه السلام ) أعلن بكل صراحة عن نبوته ، وهو ما زال في المهد : ( آتاني الكتاب وجعلني نبيا ) .
ونقرأ أيضا عن النبي موسى ( عليه السلام ) أنه علم بنبوته في بداية نزول الوحي عليه وأعد نفسه للدعوة الإلهية وقال :
( رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ) .
وأما بالنسبة إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي خشي على نفسه ، ولم يدر شيئا عما حدث له حتى أخبرته زوجته
خديجة وورقة بن نوفل فاطمئن بقولهما ، فزال عنه ما تداخله من الرعب والخوف ، فما كانت نوعية الرسالة والنبوة التي أعطيت إليه وبعث بها ؟
وبناء على هذا ولا يخفى فإن هذه المرأة - خديجة - وهذا النصراني - ورقة - كانا أنسب وأليق من رسول الله في التصدي لأمر النبوة والرسالة وحسب ما تتضمنه الرواية من المعنى أن خديجة وورقة كانا أقدم إيمانا واعتناقا للإسلام من رسول الله
2 - أن جواب الرسول لجبرئيل الأمين لما قال له : ( اقرأ ) فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( ما أنا بقارئ ) . يفهم
منه أن النبي لم يعلم ولم يفهم مقصود جبرئيل . لأن جبرئيل كان يقصد من قوله : ( اقرأ ) أي رتل وكرر ما أتلوه عليك ،
ولكن النبي فهم عكس هذا القول وإن مقصود جبرئيل هو أن يقرأ ما كان مكتوبا على اللوح ، وعلم الرسول ما قصده الملك في المرة الثالثة لما كرر جبرئيل قوله وأنهى ما كان فيه النبي من المعضل والترديد .
ولكن يتبادر سؤال : هل أن جبرئيل كان ضعيف البيان والأداء ، بحيث لا يستطيع أن يؤدي الرسالة حق الأداء ؟ أم أن الرسول كان قاصر الفهم ولم يعلم المقصود ؟
3 - ورد في الحديث إن الملك المنزل بالوحي أخذ النبي ثلاث مرات يهزه بشدة حتى أحس الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بالوجع ، وهذه الأخذة والهزة كما أشار إليها القسطلاني لم يفعل بأحد من الأنبياء ( عليهم السلام ) ولم ينقل عن أحدهم إنه جرى له عند ابتداء الوحي إليه مثله .
إذن فما تعني هذه الأخذة الشديدة بالنسبة إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) خاصة من بين الأنبياء ؟
وهل العقل يعتبر هذا الرعب والخوف الذي أوجده جبرئيل ( عليه السلام ) عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) في مقابل عمل لم يطقه النبي عملا صحيحا ؟
وهل إن جبرئيل ( عليه السلام ) بفعله هذا أراد أن يظهر عضلاته للنبي ؟
وهل كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) فاقدا لتلك القوة التي كانت عند موسى لما لطم عزرائيل فأعماه وفقأ عينه كما قرأته آنفا ؟ .
هذا ما نقله الصحيحان في موضوع بدء الوحي ، وهو ك ( شق الصدر ) وقد أثبته المفسرون والمؤرخون والمحدثون في كتبهم في تفسير سورة العلق من دون أن يبدوا أي نقد وتحليل ، حتى تسرب ذلك إلى بعض كتب الشيعة .
والوحيد من بين المفسرين الذين ردوا هذا الحديث وانتقدوه نقدا علميا هو العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان .
--------------------------------------------------------------------------------
غزوة بدر الكبرى
معركة بدر هي معركة وقعت في 13 مارس 624/17 رمضان 2 للهجرة بين المسلمين بقيادة النبي و بين قريش بقيادة عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي عند آبار بدر جنوب المدينة في إنتهت بانتصار المسلمين و مقتل سيد قريش عمرو بن هشام بن المغيرة المخزوميٍ.
أسباب المعركة
وصل الخبر للمسلمين بأن أبو سفيان بن حرب جاء من الشام في قافلة كبيرة لقريش، تحمل أموال و تجارة لهم، و قُدّر عدد الرجال بها ما بين ثلاثين إلى أربعين رجلا من قريش ، منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص فلما وصل الخبر للنبي ندب المسلمين إليهم، وقال : هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله يُنْفِلُكُموها.
فبدأ الناس ييستعدون للإنطلاق، البعض جهز سلاحا والبعض الأخر لم يجهز سلاح بل وسيلة نقل من ناقة و خلافة، إذ أنهم لم يعتقدوا بإحتمالية قيام الحرب.
وكان أبو سفيان حينما أقترب من الحجاز يتحسس الأخبار ممن كان يلقى من المسافرين و القوافل، تخوفا على أموال قريش من المسلمين. و وصله من بعض المسافرين أن محمد قد استنفر المسلمين للقافلة، فأخذ حذره، و استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ، فبعثه إلى مكة ، ليستنفر قريش للدفاع عن أموالهم، وليخبرهم بأن محمدا قد يهاجم القافلة. فإنطلق ضمضم سريعا إلى مكة.
ما أن وصل ضمضم مكة حتى جدع بعيره، وحوّل رحله، وشق قميصه ، و وقف فوق بعيره ببطن الوادي و هو يصرخ: يا معشر قريش ، اللطيمةَ اللطيمةَ ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوثَ الغوثَ
[تحرير] إستعداد قريش للخروج
بدأت قريش بتجهيز سلاحها و رجالها للقتال، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ، كلا والله ليعلمن غير ذلك. و أتفقوا أن يخرج جميع رجالها و ساداتها إلى محمد، فمن تخلف أرسل مكانه رجلا أخر، فلم يتخلف أحد من أشرافها عن الخروج إلا أبو لهب، حيث أرسل العاصي بن هشام ابن المغيرة بدلا عنه، و ذلك لكون العاصي مدينا له بأربعة آلاف درهم، فاستأجره أبو لهب بها.
و حاول أمية بن خلف التخلف، فقد كان شيخا ثقيلا ، فأتاه عقبة بن أبي معيط ، وهو جالس بين ظهراني قومه، بمجمرة يحملها ، و وضعها بين يديه قائلا: يا أبا علي ، استجمر ، فإنما أنت من النساء، فرد عليه أمية: قبحك الله وقبح ما جئت به، ثم جهز سلاحه و فرسه وخرج مع الناس.
عند بدء التحرك تخوف البعض بسبب الحرب بين قريش و بين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة، إذ إعتقدوا ان يغدر بهم بنو بكر و هم منشغلون بملاقاة المسلمين. فقال سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، و هو أحد أشراف بني كنانة: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه.
يؤمن الكثير من المسلمين بأن من أجار قريش من بني بكر لم يكن سراقة بل كان إبليس، الشيطان، و هم يعتقدون أنه تقمص شكل سراقة و قال ما قال لقريش.
[تحرير] حال المسلمين عند مغادرتهم المدينة
يُعتقدُ بأن المسلمين غادروا المدينة يوم الأثنين الثامن من رمضان. و قد قام محمد بالطلب من عمرو بن أم مكتوم بإمامة الصلاة، بعض المصادر تذكر أن إسمه هو عبدالله بن أم مكتوم، و وضع المدينة تحت إدارة أبا لبابة.
تذكر المصادر أن اللواء سُلّم إلى مصعب بن عمير وكان أبيض اللون، بينما تذكر مصادرأخرى أنه كان أمام محمد (صلى الله عليه وسلم) رايتان سوداوان ، واحدة مع علي بن أبي طالب تسمى العقاب، والأخرى مع الأنصار، و قيل أنها كانت مع سعد بن معاذ.
واتعمل المسلمون سبعين بعيرا للسفر، و كانوا يتناوبون في الركوب عليها كل ثلاثة على جمل
[تحرير] طريق المسلمين إلى بدر
إنطلق المسلمون من المدينة بإتجاه مكة، مرورا بنقب المدينة، ثم على العقيق، ثم على ذي الحليفة، ثم على أولات الجيش (و قيل أم إسمها ذات الجيش). ثم مر على تُرْبان، ثم على ملل، ثم غَميس الحمام من مريين، ثم على صخيرات اليمام، ثم على السيَّالة، ثم على فج الروحاء، إلى أن وصلو إلى عرق الظبية.
هنالك وجد المسلمون أعرابيا، فسألوه عن قافلة قريش فلم يعرف، فطلبوا منه السلام على محمد فسألهم إن كان من ضمنهم، فأجابوه بذلك، فسلم عليه ثم قال: إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه. رد عليه سلمة بن سلامة بن وقش بأن لا يسأل النبي محمد، بل يدعه هو يخبره ما في بطنها. فوافق الأعرابي. فإذا بسلمة يخبره بأنه (أي الأعرابي) قد واقع الناقة، و هي حبلى منه بسخلة ، فقال محمد لسلمة: مه ، أفحشت على الرجل، ثم أعرض عنه.
ثم أكمل المسلمون طريقهم فمروا بسجسج، وهي بئر الروحاء، ثم وصلوا المنصرف، هنالك تركوا طريق مكة بيسار، و اتجهوا يمينا من خلال النازية بإتجاه بدر، إلى أن وصلوا وادي رُحْقان، و هو وادٍ بين النازية وبين مضيق الصفراء، ثم وصلوا إلى المضيق، إلى أن إقتربوا من قرية الصفراء.
هنا بعث محمد (صلى الله عليه وسلم) بسبس بن الجهني ،(من بني ساعدة) ، وعدي بن أبي الزغباء الجهني، (من بني النجار)، بمهمة إستكشافية إلى بدر ليحضرا له أخبار قافل أبي سفيان بن حرب. لدى وصول المسلمون قرية الصفراء، وهي تقع بين جبلي ، سأل محمد(صلى الله عليه وسلم) عن اسم الجبلين وعن أهل القرية، فأخبروه بأن الجبلين أحدما يطلق عليه اسم مسلح والآخر مخرىء، أما أهل القرية فهم بنو النار وبنو حراق، بطنان من بني غفار ، فكره المرور بينهم. ثم تركهم و إتجه نحو اليمين إلى واد ذَفِران.
[تحرير] وصول خبر خروج قريش للمسلمين وحذرهم
وصل خبر خروج جيش قريش إلى المسلمين، و لم يكن خروج المسلمين لقتال قريش هو خيار مطروح في الأصل، بل كان الخروج من أجل الغنيمة بالقافلة. كما أن الأنصار في بيعة العقبة إشترطوا حماية النبي محمد في المدينة فقط و تبرؤا من ذلك حتى دخوله اليهم في المدينة حيث قالوا له وقتها:
يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا ، فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا
فقام النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بإستشارة من معه، فتكلم كل من أبو بكر و عمر بن الخطاب، ثم قام المقداد بن عمرو فقال:
يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : " اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا ههنا قاعدون " ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه
ثم وجه النبي كلامه إلى الأنصار قائلا :أشيروا علي أيها الناس، فقال له سعد بن معاذ :
والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟
فقال النبي محمد : أجل
فقال سعد:
فقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا ، على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء . لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله .
فقال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): سيروا وأبشروا ، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم
أكمل بعدها المسلمون طريقهم من ذفران، فمروا بمنطقة تسمى الأصافر، ثم إلى بلد تسمى الدبة ثم جعلوا كثيب عظيم كالجبل العظيم يسمى الحنان على يمينهم، و نزلوا قريبا من بدر.
و أنطلق بعدها النبي محمد و أبو بكر الصديق حتى وصلا إلى سفيان الضمري، أحد شيوخ العرب في المنطقة، فسأله النبي محمد عن قريش ، وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الضمري: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما ؟ فقال له: إذا أخبرتنا أخبرناك
فقال الضمري: أذاك بذاك ؟ ليجيبه محمد: نعم. فقال الضمري: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا ، (و هو المكان الذي وصله المسلمون فعلا) وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي فيه قريش . فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما ؟ فقالا: نحن من ماء، ثم إنطلقا
فلما عادا إلى معسكر المسلمين، خرج علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص، إلى ماء بدر فأسروا غلمان لقريش يحضرون الماء منهم أسلم، و هو غلام بني الحجاج وعريض أبو يسار ، و هو غلام بني العاص بن سعيد، فأعادوهم إلى معسكر المسلمين، و كان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) يصلي، فأستجوبوهما فقالا : نحن سقاة قريش ، بعثونا نسقيهم من الماء. فلم يصدقوهما و ضربوهما. فإضطر الرجلان للكذب و قول أنهما ملك لأبي سفيان، ليطمع المسلمون بافدية فلا يضربوهم. فلما أنها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) صلاته قال لعلي و أصحابه:إذا صدقاكم ضربتموهما ، وإذا كذباكم تركتموهما ، صدقا ، والله إنهما لقريش أخبراني عن قريش ؟ قالا : هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى - والكثيب العقنقل - فقال لهما النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): كم القوم ؟ قالا : كثير قال: ما عدتهم ؟ قالا : لا ندري ; قال: كم ينحرون كل يوم ؟ قالا : يوما تسعا ، ويوما عشرا ، فقال: القوم فيما بين التسع مئة والألف . ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ، ونوفل بن خويلد ، والحارث بن عامر بن نوفل ، وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود ، وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وسهيل بن عمرو ، وعمرو بن عبد ود . فخرج النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى المسلمين و قال لهم: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها .
هروب أبو سفيان بالقافلة و طلبه من قريش العودة
استطاعت "الاستخبارات الإسلامية" أن ترصد عملية هروب العير، وأرسل أبو سفيان إلى قريش أن القافلة قد نجت، ولا حاجة لهم في قتال أهل يثرب، لكن أبا جهل أبى إلا القتال، وقال قولته المشهورة: "لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم ثلاثا ننحر الجُزر، ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، فلن تزال العرب تهابنا أبدا"، لكنّ "بني زهرة" لم تستجب لهذه الدعوة فرجعت ولم تقاتل
المعركة
وصل المشركون إلى بدر ونزلوا العدوة القصوى ، أما المسلمون فنزلوا بالعدوة الدنيا . وقام المسلمون ببناء عريش للرسول صلى الله عليه وسلم على ربوة ، وأخذ لسانه يلهج بالدعاء قائلا : " اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ؟ اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم فلن تعبد في الأرض " . وسقط ردائه صلى الله عليه وسلم عن منكبيه ، فقال له أبو بكر : " يا رسول الله ، إن الله منجز ما وعدك ".
قام المسلمون بردم أبار بدر بعد أن استولوا عليه وشربوا منه - حتى لا يتمكن المشركون من الشرب منه . وقبل أن تبدأ المعركة ، تقدم ثلاثة من رجال قريش وهم : عتبة بن ربيعة ، وأخوه شيبة ، وولده الوليد يطلبون من يبارزهم من المسلمين . فتقدم ثلاثة من الأنصار ، فصرخوا بهم قائلين : " يا محمد ، أخرج إلينا نظراءنا من قومنا من بني عمنا" فقدم الرسول عليه الصلاة والسلام عبيدة بن الحارث ، وحمزة بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب . فبارز حمزة شيبة فقتله ، وبارز علي الوليد فقتله ، وبارز عبيدة عتبة فجرحا بعضهما ، فهجم حمزة وعلي على عتبة فقتلاه . واشتدت رحى الحرب ، وحمي الوطيس . ولقد أمد الله المسلمين بالملائكة تقاتل معهم . قال تعالى : (( بلى إن تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ))وهكذا انتهت المعركة بنصر المسلمين وهزيمة المشركين ، حيث قتل من المشركين سبعون وأسر منهم سبعون آخرون . أما شهداء المسلمين فكانوا أربعة عشر شهيدا . ولقد رمى المسلمون جثث المشركين في البئر ، أما الأسرى فقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف 4000 درهم عن كل أسير امتثالا لمشورة أبي بكر ، أما من كان لا يملك الفداء فقد أعطه عشرة من غلمان المسلمين يعلمهم القراءة والكتابة .
العودة إلى المدينة
ثم ارتحل مؤيدا منصورا ، قرير العين بنصر الله له ومعه الأسارى والمغانم فلما كان بالصفراء ، قسم الغنائم وضرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة ، ثم لما نزل بعرق الظبية ، ضرب عنق عقبة بن أبي معيط . ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مؤيدا مظفرا منصورا قد خافه كل عدو له المدينة وحولها ، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة ، وحينئذ دخل عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرا .
--------------------------------------------------------------------------------
معركة احد
معركة أحد هي المعركة التي وقعت في يوم السبت، السابع من شوال في السنة الثالثة للهجرة [1] والتي تصادف 23 مارس 625 م، بين المسلمين في يثرب بقيادة الرسول محمد بن عبد الله وأهل مكة وأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة [2]. كانت قوة المسلمين تقدر بحوالي 700 مقاتل [3] وقوة أهل مكة وأتباعها تقدر بحوالي 3000 مقاتل من قريش والحلفاء الآخرين وكان في الجيش 3000 بعير و200 فرس و 700 درع وكانت القيادة العامة في يد أبي سفيان بن حرب وعهدت قيادة الفرسان لخالد بن الوليد يعاونه عكرمة بن أبي جهل [4].
تمكن جيش أبي سفيان من تحقيق نصر عسكري بواسطة هجمة مرتدة سريعة بعد نصر أولي مؤقت للمسلمين الذين انشغل البعض منهم بجمع الغنائم وترك مواقعهم الدفاعية التي تم التخطيط لها قبل المعركة وتمكن بعض أفراد جيش أبي سفيان من الوصول إلى الرسول محمد و إصابته وشج أحدهم (وهو عبدالله بن شهاب) جبهته الشريفة واستطاع ابن قمئة الحارثي من إصابت انفه الشريف. يعتقد المؤرخون أن من الأسباب الرئيسية للهزيمة العسكرية للمسلمين هو مغادرة المواقع الدفاعية من قبل 40 راميا من أصل 50 تم وضعهم على جبل يقع على الضفة الجنوبية من وادي مناة، وهو ما يعرف اليوم بجبل الرماة والإشاعة عن مقتل النبي محمد أو صرخة الشيطان التي كان مفادها «ألا إن محمدا قد قتل»
--------------------------------------------------------------------------------
فتح مكة
فتح مكة 8هـ كان فتح مكة على يد الرسول محمد بن عبدالله في 20 رمضان للسنة الثامنة من الهجرة بعد أن هاجر منها وكله أشواق وحنين وكانت هجرته للمدينة نواة لتأسيس دولته والعمل على العودة لمكة مجددا.
[تحرير] الأسباب
بعد صلح الحديبية بين الرسول و قريش انضمت قبيلة بكر لقريش وانضمت قبيلة خزاعة لحلف المسلمين .
وكان بين بني بكرٍ وقبيلة خزاعة ثارات في الجاهلية ودماء ، وذات يومٍ تعرضت قبيلة خزاعة لعدوانٍ من قبيلة بكر الموالية لقريش ، وقتلوا منهم نحو عشرين رجلاً . فالتجئت خزاعة إلى الحرم للنجاة بنفسها ، ولكن بني بكرٍ لاحقوهم وقتلوا منهم في الحرم . فجاء عمرو بن سالم الخزاعي الرسول يخبرهم بعدوان قبيلة بكرٍ عليهم ، وأنشد الرسول صلى الله عليه وسلم شعراً :
يا رب إني نـاشد محمداً حلف أبـينا وأبيه الأتلدا إنه قريشٌ أخلفوك المـوعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا فانصر رسول الله نصراً أعتدا وادع عباد الله يأتوا مدداً
فقال له رسول الله عليه وسلم : " نصرت يا عمرو بن سالم ، والله لأمنعنكم مما أمنع نفسي منه " . ودعا الله قائلاً " اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها ".
وندمت قريش على مساعدتها لبني بكرٍ ، ونقضها للعهد ، فأرسلت أبا سفيانٍ إلى المدينة ليصلح ما فسد من العهد ، فعاد خائباً إلى مكة.
[تحرير] فتح مكة
بعدها قام الرسول بتجهيز الجيش للخروج إلى مكة فحضرت جموع كبيرة من قبائل جهينة وبني غفار ومزينة واسد وقيس وبني سليم و الأنصار والمهاجرين
وقام ابي حاطب بن أبي بلتعة بكتابة كتاب بعث به إلى قريشٍ مع امرأة ، يخبرهم بما عزم عليه رسول الله عليه وسلم ، وأمرها أن تخفي الخطاب في ضفائر شعرها حتى لا يراها أحدٌ . فإذا الوحي ينزل على رسول الله عليه وسلم بما صنع حاطب ، فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ليلحقا بالمرأة . وتم القبض عليها قبل أن تبلغ مكة ، وعثرا على الرسالة في ضفائر شعرها .
فلما عاتب النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً اعتذر أنه لم يفعل ذلك ارتداداً عن دينه ، ولكنه خاف إن فشل رسول الله عليه وسلم على أهله والذين يعيشون في مكة .
فقال عمر : " يا رسول الله ، دعني أضرب عنق هذا المنافق " . فقال رسول الله عليه وسلم:
" إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدراً فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .
وكان حاطب ممن حارب مع رسول الله عليه وسلم في غزوة بدر . فعفا عنه ، وتحرك جيش المسلمين بقيادة رسول الله عليه وسلم إلى مكة في منتصف رمضان من السنة الثامنة للهجرة . وبلغ عددهم نحو عشرة آلاف مقاتل . ووصلوا " مر الظهران " قريباً من مكة ، فنصبوا خيامهم ، وأشعلوا عشرة آلاف شعلة نار . فأضاء الوادي .
وهناك تقابل العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان . فأخذه العباس إلى الرسول . فقال له الرسول : " ويحك يا أبا سفيانٍ أما آن لك
أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ " .
فقال العباس : " والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً بعد " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ويحك ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ "
فقال : " أما هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً " .
وبعد حوارٍ طويلٍ دخل أبو سفيانٍ في الإسلام . وقال العباس : " إن أبا سفيانٍ يحب الفخر فاجعل له شيئاً . فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " من دخل دار أبي سفيانٍ فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن " .
وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يري أبا سفيانٍ قوة المسلمين ، فحبسه عند مضيق الجبل . ومرت القبائل على راياتها ، ثم مر رسول الله صلى عليه وسلم في كتيبته الخضراء. فقال أبو سفيان : ما لأحدٍ بهؤلاء من قبل ولا طاقة .
ثم رجع أبو سفيانٍ مسرعاً إلى مكة ، ونادى بأعلى صوته : " يا معشر قريش ، هذا محمدٌ قد جاءكم فيما لا قبل لكم به . فمن دخل داري فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ". فهرع الناس إلى دورهم وإلى المسجد . وأغلقوا الأبواب عليهم وهم ينظرون من شقوقها وثقوبها إلى جيش المسلمين ، وقد دخل مرفوع الجباه . ودخل جيش المسلمين مكة في صباح يوم الجمعة الموافق عشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة .
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها وهو يقرأ قوله تعالى : (( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ))
وتوجه الرسول إلى الحرم ، وطاف بالكعبة ، وأمر بتحطيم الأصنام المصفوفة حولها . وكان يشير إليها وهو يقول : (( و قل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ))
وبعد أن هدمت الأصنام من حول الكعبة أمر النبي عليه الصلاة والسلام بلالاً أن يؤذن فوقها .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم ؟ " قالوا : " خيراً . أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريم " . فقال عليه الصلاة والسلام : " اذهبوا فأنتم الطلقاء".
--------------------------------------------------------------------------------
وفاته صلى الله عليه و سلم
أولا: أهمية الحدث.
- يجتمع في شهر ربيع الأول أحداث ثلاثة، وهي مولد النبي صلى الله عليه وسلم وهجرته إلى المدينة ووفاته. ولا ريب أن كلاً منها كان حدثاً مهمًّا في حياة المسلمين، لا بل وفي حياة الثقلين أجمعين.
- ويوافق بعض المسلمين النصارى وغيرَهم من الوثنيين، فيجعلون حدث المولد أهمَّ الأحداث الثلاثة، بل ويعتبره بعضهم أهمَّ أحداث السيرة النبوية قاطبة.
- والحق أن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم حدثٌ مبارك، حيث أشرق صلى الله عليه وسلم على الأرض بمولده، لكن هذا الحدث ليس له تميز عن سائر ولادات الناس لو لم يبعث ويرسل عليه الصلاة والسلام.
- والحدث الأهم من ولادته هو هجرته صلى الله عليه وسلم التي أوجدت لنا المجتمع المسلم والدولة المسلمة التي استمرت قروناً طويلة، وقدمت للإنسانية حضارة فريدة على مرّ الزمن، ولأهمية هذا الحدث أرخ به عمر بن الخطاب والمسلمون بعده التاريخ الإسلامي. وقد روى ابن أبي شيبة عن الشّعبيّ أنّ أبا موسى كتب إلى عمر: إنّه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ, فجمع عمر النّاس, فقال بعضهم: أرِّخ بالمبعث, وبعضهم: أرِّخ بالهجرة, فقال عمر: (الهجرة فرّقت بين الحقّ والباطل فأرّخوا بها).[المصنف 7/26]
- والحدث الأهم في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هو وفاته عليه الصلاة والسلام، لأن وفاته صلى الله عليه وسلم ليست كوفاة سائر الناس، ولا كسائر الأنبياء؛ إذ بموته صلى الله عليه وسلم انقطعت النبوات، وانقطع خبر السماء ووحي الله عن الأرض.
- وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عظم هذه المصيبة التي حلت بالمسلمين فقال: ((يا أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعَزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي)) [ابن ماجه (1599)]، قال السندي: "((فليتعزّ)) ويخفِّف على نفسه مؤونة تلك المصيبة بتذكّر هذه المصيبة العظيمة، إذ الصّغيرة تضمحلّ في جنب الكبيرة فحيث صبر على الكبيرة لا ينبغي أن يبالي بالصّغيرة". [حاشية السندي على ابن ماجه (1599)]
- وها هي أم أيمن رضي الله عنها بكت حين مات النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل لها تبكين فقالت: (إني ـ والله ـ قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيموت، ولكن إنما أبكي على الوحي الذي انقطع عنا من السماء). [أحمد (12179)]
- وعن أبي بردة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماءَ ما توعد، وأنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)) [مسلم (2531)].
قال النووي: "((وأنا أمنة لأصحابي, فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون)) أي: من الفتن والحروب, وارتداد من ارتدّ من الأعراب, واختلاف القلوب, ونحو ذلك ممّا أنذر به صريحًا, وقد وقع كلّ ذلك".[شرح النووي (8/316) ]
قال أبو العتاهية:
اصبر لكـل مصيـبة وتجلَّد واعلـم بأن المـرء غير مخلَّـد
واصبر كما صبر الكرام فإنها نُوبٌ تنوب اليوم تكشف في غد
أوما ترى أن المصائب جمـة وترى المنيـة للعبـاد بمرصـد
فإذا أتتك مصيبة تشجى بها فاذكر مصـابك بالنبي محمـد
ثانيا: معرفة النبي صلى الله عليه وسلم باقتراب أجله.
بشر النبي صلى الله عليه وسلم باقتراب أجله في آيات عدة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ} [الزمر:30]، وقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [الأنبياء: 34، 35]، وقوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران:144]، وقوله: { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً } [سورة النصر].
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أنزلت هذه السورة: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداع. [سنن البيهقي (9464)].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه سألهم عن قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} قالوا: فتح المدائن والقصور، قال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: (أجَلٌ أو مَثَلٌ ضُرب لمحمد صلى الله عليه وسلم نعيت له نفسه) [البخاري (4969)].
وقال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة:3]. قال ابن العربي: "وما من شيء في الدنيا يكمل إلا وجاءه النقصان ليكون الكمال الذي يراد به وجه الله" [العواصم من القواصم (ص59)].
وقد أشعر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أكثر من موطن بقرب أجله وانتقاله إلى جوار ربه، فعن معاذ بن جبل قال لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال: ((يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ـ أو قال: ـ لعلك أن تمر بمسجدي هذا أو قبري))، فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: ((إن أولى الناس بي المتقون، من كانوا وحيث كانوا)) [ أحمد (21547)].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أقبلت فاطمة تمشي، كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مرحباً بابنتي))، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكي؟ ثم أسر إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فسألتها فقالت: أسر إليَّ: ((إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي)) فبكيت، فقال: ((أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين)) فضحكت لذلك. [البخاري (3624)، مسلم (2450)].
وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف، وقال: ((لعلي لا أراكم بعد عامي هذا)) [الترمذي (886)].
ثالثا: بداية المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم وسببه:
كان سبب مرض النبي صلى الله عليه وسلم مؤامرة اليهودية حين دست له السم في طعامه صلى الله عليه وسلم الذي دعته إليه، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منه وأكل القوم فقال: ((ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة))، ثم قال في وجعه الذي مات فيه: ((مازلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان قطعت أبهَري)) [أبو داود (4512)].
قال في النّهاية: "الأبهر عرق في الظّهر وهما أبهران, وقيل: هما الأكحلان اللّذان في الذّراعين, وقيل: هو عرق مستبطن القلب فإذا انقطع لم تبق معه حياة" [انظر: عون المعبود (21/151)].
وفي الحديث أن أم مبشِّر رضي الله عنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي قبض فيه فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله، ما تتَّهِم بنفسك؟ فإني لا أتهم إلا الطعام الذي أكَلَ معك بخيبر، وكان ابنها مات قبل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((وأنا لا أتهم غيره، هذا أوان قطع أبهري)) [أحمد ح33415]. فجمع الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بين الشهادة على يد قتلة الأنبياء من اليهود وهي أكرم الميتات، وبين المرض والحمى وفيهما ما فيهما من رفع الدرجات.
وأما أول معالم عود المرض إليه صلى الله عليه وسلم فكان بعد رجوعه من دفن أحد أصحابه، قالت عائشة رضي الله عنها: رجع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول: وا رأساه، قال: ((بل أنا وا رأساه)) قال: ((ما ضرَّكِ لو متِّ قبلي فغسلتُك وكفنتُك ثم صليتُ عليك ودفنتك))، قلت: لكني ـ أو لكأني ـ بك والله لو فعلت ذلك لقد رجعتَ إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بُدئ بوجعه الذي مات فيه. [أحمد (25380)، وابن ماجه (1465)].
رابعا: تخيير النبي صلى الله عليه وسلم بين الموت والخلد:
عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي))، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: ((السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع أولها آخرها، الآخرة شر من الأولى))، قال: ثم أقبل عليَّ فقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي عز وجل والجنة)) قال: قلت: بأبي وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: ((لا ـ والله ـ يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي عز وجل والجنة))، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبُدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي قضاه الله عز وجل فيه حين أصبح. [أحمد ( 15567)، الدارمي (78)].
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وقال: ((إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله))، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا. [البخاري (3654)، مسلم (2382)].
وتقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح يقول: ((إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيا أو يخيَّر))، فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: ((اللهم في الرفيق الأعلى))، فقلت: إذًا لا يجاورنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح. [البخاري (4437)].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من نبي يمرض إلا خيِّر بين الدنيا والآخرة))، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ } [النساء:69]، فعلمت أنه خير.[البخاري (4586)، ومسلم (2444)]
واختلف العلماء في مراده صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى على أقوال، فقيل : الله عز وجل، وقيل: ملائكته، وقيل: أنبياؤه، وقيل: الجنة، ولكل منها دليل.
قال ابن حجر: "قال الجوهريّ: الرّفيق الأعلى الجنّة، ويؤيّده ما وقع عند أبي إسحاق: الرّفيق الأعلى الجنّة, وقيل: بل الرّفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد وما فوقه، والمراد الأنبياء ومن ذكر في الآية، وقد ختمت بقوله: {وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً}... وزعم بعض المغاربة أنّه يحتمل أن يراد بالرّفيق الأعلى اللّه عزّ وجلّ لأنّه من أسمائه، كما أخرج أبو داود من حديث عبد اللّه بن مغفّل رفعه: ((إنّ اللّه رفيق يحبّ الرّفق)) كذا اقتصر عليه, والحديث عند مسلم عن عائشة فعزوه إليه أولى. قال: والرّفيق يحتمل أن يكون صفة ذات كالحكيم, أو صفة فعل. قال: ويحتمل أن يراد به حضرة القدس, ويحتمل أن يراد به الجماعة المذكورون في آية النّساء، ومعنى كونهم رفيقًا تعاونهم على طاعة اللّه وارتفاق بعضهم ببعضٍ, وهذا الثّالث هو المعتمد، وعليه اقتصر أكثر الشّرّاح" [فتح الباري (8/137)].
وأما دليل من قال بأن المقصود هم الملائكة فهو قوله صلى الله عليه وسلم في رواية ابن حبّان: ((أسأل اللّه الرّفيق الأعلى الأسعد, مع جبريل وميكائيل وإسرافيل)) [ابن حبان (14/555)]، وظاهره أنّ الرّفيق المكان الّذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين.
خامسا: مرض النبي صلى الله عليه وسلم:
بدأ المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم في مطلع شهر ربيع الأول، وقد نُقل إلينا بعض أخباره وأحواله صلى الله عليه وسلم في مرضه:
من أحواله صلى الله عليه وسلم قبل اشتداد المرض:
قالت عائشة: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرَّض في بيتي، فأذنَّ له، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بين رجلين تخطُّ رجلاه في الأرض، بين عباس ورجل آخر، قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بن عباس فقال: أتدري من الرجل الآخر؟ قلت: لا، قال: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وكانت عائشة رضي الله عنها تحدِّث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعدما دخل بيته واشتد وجعه: ((هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس))، وأُجلس في مخضب لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم طفقنا نصب عليه تلك حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس. [البخاري (198)، ومسلم (418)].
قال ابن حجر في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: ((من سبع قرب)): "قال الخطّابيّ: يشبه أن يكون خصّ السّبع تبرّكًا بهذا العدد; لأنّ له دخولاً في كثير من أمور الشّريعة وأصل الخلقة. وفي رواية للطّبرانيّ في هذا الحديث: ((من آبار شتّى))، والظّاهر أنّ ذلك للتّداوي لقوله في رواية أخرى في الصّحيح: ((لعلّي أستريح فأعهد)) أي: أوصي". [فتح الباري (1/303)].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصبٌ رأسه بخرقة فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر)).
وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن فقال: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس))، فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثالثة فقال: ((إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس))، فخرج أبو بكر فصلى، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم: أن مكانك، ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم. [البخاري (664)، مسلم (418)].
وعن أنس بن مالك قال لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب فرفعه، فلما وضح وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين وضح لنا، فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم، وأرخى النبي صلى الله عليه وسلم الحجاب فلم يُقدَر عليه حتى مات. [البخاري (681)، مسلم (419)].
وعن هشام عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: ((أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟)) حرصاً على بيت عائشة، قالت عائشة: فلما كان يومي سكن. [البخاري ح3774].
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه. [البخاري (4439)، مسلم (2192)].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما حُضِر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده))، فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا، يكتب لكم النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قوموا عني)). قال عبيد الله فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. [البخاري (114)، مسلم (1637)].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لددنا النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال: ((لا تلدوني)) فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: ((لا يبقى أحد منكم إلا لُد غير العباس فإنه لم يشهدكم)) [البخاري (4458)، مسلم (2313)].
قال ابن حجر: "قوله: ((لددناه)) أي: جعلنا في جانب فمه دواء بغير اختياره, وهذا هو اللّدود. وفي قوله: ((فجعل يشير إلينا أن لا تلدّوني)), فقلنا: كراهية المريض للدّواء، وإنّما أنكر التّداوي لأنّه كان غير ملائم لدائه, لأنّهم ظنّوا أنّ به ذات الجنب، فداووه بما يلائمها, ولم يكن به ذلك" [فتح الباري (8/147)].
شدة وجعه صلى الله عليه وسلم:
قالت عائشة: ما رأيت رجلاً أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم. [البخاري (5646)، مسلم (2570)].
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكاً شديداً فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكاً شديداً! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم))، فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أجل))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها)) [البخاري (5648)، مسلم (2571)].
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت، وعنده قدح فيه ماء يدخل يده في القدح ويمسح وجهه بالماء وهو يقول: ((اللهم أعني على سكرات الموت)) [ أحمد (23835)، والترمذي (978)، وابن ماجه (1623)].
وعن أنس رضي الله عنه قال لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه فقالت فاطمة: وا كرب أباه، فقال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم)) [البخاري (2644)].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن أمه أم الفضل قالت: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلى المغرب، فقرأ بالمرسلات قالت: فما صلاها بعد حتى لقي الله. [البخاري (4429)، مسلم (462)].
مدة مرضه صلى الله عليه وسلم:
قال ابن حجر: "اختُلف أيضاً في مدة مرضه عليه السلام، فالأكثر على أنها ثلاثة عشر يوماً، وقيل بزيادة يوم وقيل بنقصه... وقيل: عشرة أيام، وبه جزم سليمان التيمي في مغازيه، وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح". [فتح الباري (7/736)].
سادسا: وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في مرض وفاته:
لا ريب أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً موضع للعبرة والعظة، لكنه صلى الله عليه وسلم اختص أمته ببعض النصح وهو في مرض موته، وهو مقبل على الآخرة مدبر عن الدنيا، فما هي آخر وصاياه صلى الله عليه وسلم؟
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرضه الذي مات فيه: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجداً))، قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أني أخشى أن يتخذ مسجداً. [البخاري (1330)، مسلم (531)].
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: يوم الخميس، وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بلّ دمعه الحصى، قلت: يا أبا عباس، ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال: ((ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً))، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع... فقال: ((ذروني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه))، فأمرهم بثلاث قال: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم))، والثالثة خير، إما أن سكت عنها، وإما أن قالها فنسيتها. [البخاري (3053)، مسلم (1637)].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه بملحفة قد عصب بعصابة دسماء حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منكم شيئاً يضر فيه قوماً وينفع فيه آخرين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم))، فكان آخر مجلس جلس به النبي صلى الله عليه وسلم. [البخاري (3628)].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: ((أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم)) [البخاري (479)].
وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: ((الصلاةَ وما ملكت أيمانكم))، فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه. [ابن ماجه (1625)].
قال السندي: "قوله: ((الصّلاة)) أي الزموها واهتمّوا بشأنها ولا تغفلوا عنها، ((وما ملكت أيمانكم)) من الأموال أي أدّوا زكاتها ولا تسامحوا فيها... ويحتمل أن يكون وصيّة بالعبيد والإماء أي: أدّوا حقوقهم وحسن ملكتهم، فإنّ المتبادر من لفظ: ما ملكت الأيمان في عرف القرآن هم العبيد والإماء، قوله: ((حتّى ما يفيض بها لسانه)) أي: ما يجري ولا يسيل بهذه الكلمة لسانه، من فاض الماء إذا سال وجرى حتّى لم يقدر على الإفصاح بهذه الكلمة" [حاشية السندي على ابن ماجه (1625)].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه: ((الصلاة وما ملكت أيمانكم)) [ابن ماجه (2697)].
سابعا: اليوم الأخير من حياته صلى الله عليه وسلم:
عن أنس بن مالك الأنصاري أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا، وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر، فتوفي من يومه. [البخاري (680)، مسلم (419)]، وفي رواية أخرى: وتوفي من آخر ذلك اليوم. [البخاري (754)].
قال ابن كثير: "وهذا الحديث في الصحيح، وهو يدل على أن الوفاة وقعت بعد الزوال، وذهب النووي وابن رجب إلى أنه توفي ضحى ذلك اليوم" [البداية (5/223)، وانظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (ص 23)، لطائف المعارف (ص 113)].
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليَّ عبد الرحمن وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك، فأشار برأسه أن نعم، فلينته فأمره وبين يديه ركوة أو علبة -يشك عمر- فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت سكرات))، ثم نصب يده فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى)) حتى قبض ومالت يده. [البخاري (4449،5217)، مسلم (2443)].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن الله عز وجل تابع الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته حتى توفي، وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. [ البخاري (4982)، مسلم (3016)].
وعن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت وهو مسند إلى صدرها وأصغت إليه وهو يقول: ((اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق)) [البخاري (2444)، مسلم (4440)].
قالت: فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه، ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت، ثم قال: ((اللهم الرفيق الأعلى))، قالت: فكانت آخر كلمة تكلم بها ((اللهم الرفيق الأعلى)) [البخاري (4463)، مسلم (2444)].
قال ابن حجر: "وكانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف من ربيع الأول، وكاد يكون إجماعاً... ثم عند ابن إسحاق والجمهور أنها في الثاني عشر منه، وعند موسى بن عقبة والليث والخوارزمي وابن زبر مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه ورجحه السهيلي"، وهذا الأخير هو الذي اعتمده الحافظ. [فتح الباري (7/736)].
ثامنا: عُمْر النبي صلى الله عليه وسلم حين مات:
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ثلاث وستين. [البخاري (4466)، مسلم (2349)].
وصح مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما. [البخاري ( 3903)].
وفي رواية أخرى عن ابن عباس: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين. [مسلم (2353)].
وصح عن أنس رضي الله عنه أنها ستون سنة. [البخاري (5900)].
وجمع النووي بين الأقوال، فقال: "توفي صلى الله عليه وسلم وله ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون سنة، وقيل: ستون سنة، والأول أصح وأشهر، وقد جاءت الأقوال الثلاثة في الصحيح.
قال العلماء: الجمع بين الروايات أن من روى ستين لم يعد معها الكسور، ومن روى خمساً وستين عد سنتي المولد والوفاة، ومن روى ثلاثاً وستين لم يعدهما، والصحيح ثلاث وستون". [تهذيب الأسماء واللغات للنووي (ص23)].
تاسعا: حزن الصحابة على فقد حبيبهم صلى الله عليه وسلم:
قال ابن رجب: "ولما توفي اضطرب المسلمون، فمنهم من دهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية" [لطائف المعارف (ص114)].
عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسُّنح.. فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنَّه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، قال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً. ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: (ألا من كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت)، وقال: {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ}، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ َ}، فنشج الناس يبكون. [البخاري (3670)]
وعن أنس أن فاطمة بكت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات فقالت: (يا أبتاه، من ربُّه ما أدناه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه) [النسائي (1844)]
ويقول أنس رضي الله عنه: (قلّ ليلة تأتي علي إلا وأنا أرى فيها خليلي عليه السلام) ويقول ذلك وتدمع عيناه. [أحمد (12855)]
وعن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه، وقال: (وا نبياه، وا خليلاه، وا صفياه) [أحمد (23509)].
ولما دفن قالت فاطمة عليها السلام: (يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟!) [البخاري (4462)].
وقال أنس: (فما رأيت يوما قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر المدينة، وشهدت وفاته فما رأيت يوماً قط أظلم ولا أقبح من اليوم الذي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه) [أحمد (11825)].
قال أبو ذؤيب الهذلي: قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلوا جميعاً بالإحرام، فقلت: مه؟! فقالوا: قبض رسول الله عليه وسلم. [انظر: فتح الباري (8/580)].
وقال عثمان: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحزن عليه رجال من أصحابه حتى كان بعضهم يوسوس، فكنت ممن حزن عليه، فبينما أنا جالس في أطم من آطام المدينة - وقد بويع أبو بكر – إذ مر بي عمر فسلم علي، فلم أشعر به لما بي من الحزن. [الطبقات الكبرى (2/84)].
لكن حزن الصحابة وعظيم المصاب لم يخرجهم عن الصبر والتصبر إلى النواح والجزع، قال قيس بن عاصم: (لا تنوحوا علي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُنَح عليه). [النسائي (1851)].
عاشرا: غسل النبي صلى الله عليه وسلم وتكفينه ودفنه:
قالت عائشة رضي الله عنها: لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: والله، ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلِّم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن اغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه). [أبو داود (3141) ].
وعنها رضي الله عنها قالت: دخلتُ على أبي بكر رضي الله عنه فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: يوم الاثنين، قال: ((فأي يوم هذا؟)) قالت: يوم الاثنين، قال: ((أرجو فيما بيني وبين الليل))، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرَّض فيه به ردع من زعفران، فقال: ((اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها))، قلت: إن هذا خلق، قال: ((إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة))، فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح. [البخاري (1387)].
قال ابن كثير: "والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه عليه السلام توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء" [البداية (5/237)].
سئل أبو عسيب وقد شهد الصلاة على رسول الله: كيف صلِّي عليه؟ قال: فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر. [أحمد (20242)].
وعن سعيد بن المسيب قال: لما توفي رسول الله وضع على سريره، فكان الناس يدخلون زمراً زمراً يصلون عليه ويخرجون ولم يؤمهم أحد. [مصنف ابن أبي شيبة (7/430)]
قال ابن كثير: "وهذا الصنيع ـ وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه ـ أمر مجمع عليه لا خلاف فيه" [البداية (5/232)].
وعن أنس بن مالك قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم.[ابن ماجه (1557)]
وعن أبي مرحب أن عبد الرحمن بن عوف نزل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: كأني أنظر إليهم أربعة.
قال ابن إسحاق: "وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله علي بن أبي طالب والفضل بن عباس وقثم بن عباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم" [انظر: سيرة ابن هشام (4/418)].
وعن أنس بن مالك قال: ولما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي، وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. [الترمذي (3618)، ابن ماجه (1631)].
اتمنى ان تنال اعجابكم