في عالم المال والأعمال لا يكاد شيء يضاهي الطمع في سوئه وقلبه الأمور رأساً على عقب، وتمويهه على الرجال - حتى أصاب العقول الراجحة أحياناً - فالطمع يشبه السراب يجعل الساري لهدفه يسرع إليه يحسبه ماء فإذا جاءه لم يجد إلا سراباً يلمع وهو قد اشتد به الظمأ فلا يجني غير الغضب والندم والحسرات..
ومع أن الطمع مخالبه ملوثة بدماء الأغنياء الذين فلسوا وتحولوا إلى فقراء ويداه هي التي تقوم بوضع القفل النهائي على كثير من المؤسسات والمتاجر في هذا العالم.. بسبب التوسع الذي أغرى به الطمع، فإن هذه الخصلة البشرية العجيبة لا تتوقف آثارها المدمرة على عالم المال والأعمال فقط - مع أن ذلك يكفي خراباً وفساداً - ولكن الطمع إذا استشرى وملك الإنسان يُفسد كثيراً من الأشياء الجميلة في الوجود، كالحياة الزوجية السعيدة، والمناصب الحكومية المرموقة، والهوايات الممتعة، والصداقات الحميمة، حتى الأبحاث العلمية قد يضلع الطمع في إفسادها..
وليس هناك حدود لما يمكن أن يفعله الطمع من تخريب وتدمير.. ويكفي أن هذه الخصلة الكريهة.. والمنتشرة.. تخرب نفس الإنسان على صاحبها.. وتستل سعادته من قلبه وتضع مكانها الشقاء.. وتسرق الطمأنينة في داخله وتحل محلها القلق والتطلع..
٭٭٭
وفي عالم المال والأعمال بالذات، فإن الطمع يحوم حولها كالغراب، ويجد فيها بيئة خصبة للتوالد والانتشار، هذا في كل العصور ولكنه في عصرنا الحديث أشد وأنكى وأقسى وأسرع في خراب البيوت ومحق الثروات وتحويل الأغنياء إلى فقراء في بضع أيام وليس في بضع السنين.. فإن كنا في عصر السرعة فإن مراوح الطمع أسرع.. نفاثة.. بل أسرع من الصوت.. تجري في الدم.. ويساهم في سرعتها ما تقدمه المصارف من تسهيلات وقروض كبيرة للمضاربة في أسواق البورصة..
المضاربة على الأسهم..
المضاربة على السلع..
والمضاربة على الذهب والفضة..
والمضاربة على العملات..
وكل يوم تقريباً يتحول كثيرون في هذا العالم من أغنياء إلى فقراء فجأة.. بسبب الطمع الذي دفعهم إلى أخذ تسهيلات وقروض كبيرة من المصارف للمضاربة على الأسهم والعملات والذهب والفضة وكل ما يمكن المضاربة عليه، طمعاً في تحقيق ثروات كبيرة في فترة قصيرة..
٭٭٭
ويحدث العكس في أغلب الأحوال: يفلس هؤلاء المضاربون ويتحولون من أثرياء إلى معدمين.. والبورصات العالمية تقدم المصارف فيها تسهيلات خطرة جداً للمضاربين الطماعين..
فمن يملك عشرة ملايين تقرضه تسعين مليوناً ليشتري من البورصة ما يشاء من عملات أو عقود نفط أو ذهب أو فضة.. وترهن ما اشتراه فإذا نزل السعر بنسبة ثمانية في المئة باعت فوراً دون أن تستشيره، وهو قد وقَّع على ذلك، وقد لا يستطيع البيع إلا بنزول عشرة في المئة فيفقد الطماع كل ثروته التي جمعها طوال عمره، يفقدها في أيام قليلة جداً.. وأحياناً في ساعات..
٭٭٭
وحتى في أسهمنا المحلية - رغم تحفظ المصارف - فإن أغنياء قد تحولوا إلى فقراء، لأنهم أخذوا تسهيلات توازي ما يملكون من أسهم.
وكلما ارتفعت أسعار أسهمهم في السوق طالبوا المصرف بزيادة التسهيلات (الديون) طمعاً في المزيد من الربح..
فالطمع جعلهم يأخذون القروض والتسهيلات ابتداءً..
والطمع منعهم من البيع حين ارتفعت أسهمهم وغل أيديهم عن جني أرباحهم..
ولم يكتف الطمع بذلك.. فهو ليس له حدود يقف عندها إذا أطاعه الإنسان.. بل زين لهم أن يطالبوا المصرف بزيادة القروض لارتفاع قيمة الأسهم المرهونة عن القرض الذي في رقابهم.. والمصرف يفعل لأن حقه مضمون.. المصارف تعمل على المضمون لا على بريق الظمأ.. المصارف مقيمة على الماء لا على السراب.. فإذا أخذ المزيد من القروض اشترى بها أسهماً جديدة.. وقد ترتفع مجدداً ولا يبيع لأن الطمع يعمي البصيرة والبصر ويزين للإنسان سوء عمله فيراه حسناً..
فإذا حدث - وهو كثيراً ما يحدث في كل سوق - أن نزل السوق فجأة.. ووجب على العاقل أن يبيع ما يغطي القروض ولو بخسارة.. انبرى شيطان الطمع يقول لصاحبه: إن الأسهم سوف ترتفع من جديد.. ويجعل هذا الهاجس الطامع راسخاً في ذهنه، بل يجري في دمه، فيأبى أن يبيع.. ثم ينزل السعر من جديد ويواصل الانحدار فيبيع له المصرف غصباً عنه (حسب العقد الموقع والمفوض فيه البنك بالبيع) وهنا يتحول الغني إلى فقير بسرعة وسهولة ببركة الطمع الممحوق البركة..
٭٭٭
وقد كان عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه من كبار أغنياء الصحابة رضوان الله عليهم.. بل هو أغناهم كلهم..
وقد سُئل عن سر هذه الثروة التي جمعها فقال:
- ما رددتُ ربحاً قط..
فهو يبيع إذا ربح في بضاعته، ولو كان الربح قليلاً.. إنه لا يرد الربح.. فهو ليس طماعاً.. وهذا يجعله يبيع أكثر من غيره.. ويربح أكثر من غيره ممن يطمعون بربح أكثر.. والسر في أن أرباحه أكثر منهم هو أن الناس يشترون منه أكثر مما يشترون من غيره، لأن أسعاره أقل، بسبب قناعته بأي ربح، وعدم خضوعه للطمع، وهذا هو سبيل الثراء القويم والمفيد للناس وللاقتصاد..
وهو ما لاحظه ابن خلدون حين قال «القليل في الكثير.. كثير» فالذي يبيع كثيراً بربح قليل، هو في المحصلة النهائية أكثر أرباحاً من الذي يصر على ألا يبيع إلا بربح كثير، لأن الأخير لا يبيع إلا قليلاً، و(الكثير في القليل.. قليل) أيضاً..
٭٭٭
وفي مجال التجارة والصناعة وعالم الأعمال.. بعيداً عن مضاربات البورصة التي قد تفلس بالطماع بسرعة.. فإن الطمع أيضاً يفعل فعائله وكأنه معول هدم إذا رفعه الطماع معتقداً أنه أداة ربح ووسيلة خير.. خاصة لدى الشباب.. فبعض الشباب لا يكاد يفتح له متجراً وتنهال عليه الأرباح حتى يُصَفِّق الطمع بين ضلوعه ويغريه بالتوسع السريع وفتح عدد كبير من الفروع بسرعة لجني الأرباح الطائلة وتكوين ثروة كبيرة في فترة وجيزة..
والطمع له إغراء غريب ومنطق مخادع مقنع ومظهر صديق ومخبر عدو.. فإذا أطاع الشاب ذلك الطمع وقام بالتوسع وفتح فروعاً كثيرة لمتجره الوحيد الناجح لم يعد يستطيع السيطرة على المتاجر، وفقد حُسن الإدارة، ووقع في قبضة الديون، وساءت حالته النفسية وسمعته التجارية..
وكذلك صاحب المصنع الذي أحسَّ بالنجاح وذاق حلاوة الأرباح، فإنه إن استسلم لبرق الطمع الُخلَّب وقام بالتوسع في الإنتاج واستيراد المزيد من الآلات وفتح الفروع وتكبير العمل قبل الأوان - وقد غره الطمع بذلك - فإنها غالباً ما تكون نهاية مصنعه الناجح كما كانت نهاية صاحب المتجر الرابح..
وكل هذا بسبب ركوب شيطان الطمع الذي يغري ويغوي ويسهل الأمور ويخيل لصاحبه أنه يسابق الزمان ويسبقه..
مع أن الأمور تحتاج إلى أوقاتها الكافية..
غير أن الطمع لا يعترف بأي شيء جيِّد: بل هو يريد سرقة الوقت وسرقة الربح وسرقة الجهد وفي الأخير فإن الطمع لا يسرق إلا صاحبه فقط..
٭٭٭
وقد يكون الإنسان غنياً في الواقع، فقيراً في النفس، بسبب شدة الطمع، فهو يستقل ما لديه، ويزهد فيه، ويطمع في المزيد، لا هو سعد بما يملك، ولا أحسن التصرف والصرف، ولا متع نفسه ولا أسرته، وإنما هو فقير نفس طامع في الكسب دون الصرف، مشرف النفس يتلهف على المزيد، فهذا يضربه الطمع بسوط الذل، وينزع بركات ماله، بل ربما جعل ماله وبالاً عليه، فهو لا يتصدق منه ولا يزكيه، ولا يعرف وجوه المعروف، طمعاً في تكوين الثروة، وهو يركض في الليل والنهار يسوطه الطمع بسوطه المحموم، فيظل يركض ويركض حتى يسقط بالسكتة القلبية: لم يستفد من ماله في دينه ولا دنياه، والعياذ بالله..
وقد ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثاً.. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب».
٭ «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس».
٭ «إنَّ هذا المال خضرٌ حلو فمن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع..» وإشراف النفس هو الطمع والحرص والجشع..
٭٭٭
وفي الحياة الزوجية قد يُدَمِّرُ الطمع النصيب الجميل والبيت السعيد..
قد يكون للمرأة زوج طيب حسن الأخلاق لين الجانب يحبها فتطمع في طيبته ويغرها حبه لها فتظل تطالبه بما يستطيع وما لا يستطيع لشدة طمعها فيه، حتى يكرهها ويكره اليوم الذي تزوجها فيه، فيرمي عليها ورقة الطلاق ويتزوج بأخرى وتبوء بسوء فعلها وعاقبة طمعها و(على نفسها جنت براقش)..
وقد يُرزق الرجل بامرأة صالحة جميلة نبيلة بنت أجواد فيطمع في المزيد ويتزوج عليها وتأبى كرامتها وأنها لم تقصر فتطالب بالطلاق وتحصل عليه ويجرب حياته مع الزوجة الجديدة فيجد الشقاء بعد السعادة، والتعاسة بعد الراحة، وضيق الصدر بعد انشراحه، فما أهداه طمعه إلا القلق والاضطراب والندم الشديد وينطبق عليه المثل: «ذهب الحمار يطلب قرنين فعاد مقطوع الأذنين»!!
ارجو انكم استمتعتم بالقراء وتحياتي لكم