كنا في سيارة مغلقة، 6 نساء ، تعرضنا في الفترة السابقة الى تعذيب ومهانة .وصلت السيارة متأخرة عن موعدها ، لهذا تم اقتياد السجينات الى تسفيرات بغداد وأودعن في قاعة كبيرة وباردة حتى الصباح. كان البرد الاسوأ في كل تجربة السجن . طيلة الليل كان الهواء البارد يمزق اجساد خمس سجينلت مدميات. لا تشغل بال الواحدة منهن سوى أمنية واحدة:
-لحظة دفء --وأن يكون الحكم بالسجن المؤبد لا الاعدام.
سارت السيارة في اماكن عديدة : القناة، الشيخ عمر، ثم توقفت في مديرية أمن بغداد في الكرادة ، تم استلامي ووضعت في غرفة التعذيب حتى الصباح. في هذه الغرفة بالذات ، سيبدأ تعذيبي على يد طالبي الجامعي. في الجامعة كنت اشعر بأنني محاطة ومحمية بطلابي وطالباتي.نعم----لم تكن الجامعة ارضا محرمة على الأمن والمخابرات. لكن--رغم ذلك كنت، وانا ألقي محاضراتي وتلتقي عيوني بعيون طلبتي ، كنت اشعر بالامان --------------
فتح الباب بقوة وأطل منه وجه الطالب .
لم اعرف ان كان علي أن افرح أو ازداد حزنا وخوفا ، للحظات بدا لي الوجه مألوفا ، وعندما أغلق الباب بقوة حاولت ان اتذكر بأسرع ما يمكن--
مرت الصور والافكار سريعة في خاطري وأنا اتساءل:
-أهو ضحية هنا أم جلادا---لقد تذكرت--انه أحد طلبتي ، لقد كان خاملا ومن المستحيل أن يكون جلادا--من المستحيل أن يكون طالب قانون وحقوق جلادا محترفا !
لم يطل الوقت بي ،حتى كنت مرمية ىعند اقدام تلميذي ، كان يتحدث ويضرب مثلهم . في الكلية كان صامتا --ولم يكن يتحدث قبل ان يرفع يده مستأذنا-----مثله مثل أي طالب . لكنه في مديرية أمن بغداد كان يشتم ويضرب ويهين أستاذته دون استئذان.
اردت مرة ان اذكره بما درسته له--لكنه قاطعني بشتيمة بذيئة وانطلق كالمسعور:
-حقراء! هناك تسممون أفكار الطلبة وهنا تتوسلون.
لم ينظر لعيني لفترة طويلة طيلة جلسات التعذيب التي كان شريكا بها ، كان يتحرك كالمسعور ويشتم ويضرب كالمسعور. حتى ذاكرته كانت مسعورة:
-ما بها حقوق الانسان الآن ؟ هل كنت تعتقدين ان تلميحاتك كانت خافية علينا ؟
لا اريد أن اتذكر ان هذا ما حصل لي،--اساسا لا أريد لأحد أن يعرف بطالب قام بتعذيب أستاذته --ستسود الدنيا في عيون كثيرين.
ذات يوم--لم اعد احتمل كل ذلك الألم .كنت بين اقدامهم في مديرية أمن بغداد .سقطت على الارض من وقع الضربات. رفعني تلميذي الكلب، ثم سقطت وعندما رفعني مرة ثانية صرخت:
-سفلة، قتلة، أليس لكم أخوات ---ألم تلدكم أمهات؟ ما الذي فعلته لكم ؟ أسقطوني على الارض كما لو مستهم صاعقة، وما هي الا لحظات حتى هجموا علي بشراسة أكبر--لقد فقد الضرب هدفه وصار مطلوبا لذاته . اشترك المحقق معهم بالضرب ، وهو في العادة يطكتفي بالقليل منه ،وبتوجيه الشتائم ، وعندما شعر الجميع يالتعب، نظر المحقق الى كتلة اللحم الدامية التي بين اقدامهم قال وهو يلهث:
-لتمت هذه العاهرة ، ضعوا لها الكهرباء .
وكأنهم جميعا وجدوا الحل ، فهجموا علي وحملوني الى الكرسي ، كتلة لحم دامية وغائبة عن الوعي---
لم اعرف ما حصل بالضبط فجأة استيقظت على هزة صاعقة ---فأيقنت انني في الكهرباء ، كانت الاسلاك على يدي وعلى شفتي ، ورأيت المحقق يحرك جهاز التعذيب الكهربائي بيده، وكانت وجوه الجلادين تنطق بالشتائم البذيئة .
عندما فتحت عيني وجدت الطالب الذي عذبني يضحك وهو يقدم الماء والتمر---قال لي بشماتة وانتصار وهو يشير الى جراحي وملابسي الممزقة:
-الم اقل لك أن الأعتراف أحسن ؟ انظري الى حالك--ما الذي فعلته بنفسك؟ --نظر الى جرح في عنقي أحدثه نتيجة ضربة سددها هو بيده ذات الخاتم الثقيل ، فصرخ متظاهرا بالأسف والشفقة:
-هل هذا معقول؟ هل انت مجنونة حتى تفعلي بنفسك كل هذا ؟
تحرك باتجاه الباب ، وقبل أن يفتحه قال:
-ما زال الوقت مبكرا على موتك . كلي--ولو مت فأنت الرابحة.
بعد قليل فتح الباب بقوة--دخل اثنان ومعهما صبي في الثالثة عشر من العمر . ألقيا به على الأرض بقوة ثم تقدما نحوي وجراني الى غرفة مجاورة واقفلوها علي، وبعد اقل من دقيقة جاءتني الأصوات المرعبة:
--اعترف يا كلب.
ثم ارتفع بكاء الطفل وسمعت الضربات وتحول البكاء الى صراخ وتحول الصراخ الى مجرد صوت لم اتبين ان كان بشريا ام حيوانيا ، لكن صوت الضربات المكتومة كان يصل الي عبر الحائط فامتلئ رعبا---وأتمنى لو أفتدي هذا الطفل من الضرب والرعب.
انفتح الباب بقوة وجاء الجلادان وهما يلهثان ثم جراني الى الغرفة التي اخرجاني منها. سقط قلبي بين ضلوعي عندما شاهدت آثار الدماء على الحائط. انها دماء الطفل. لقد تقاذفاه بالضرب القاسي ولا ادري ان كان قد مات ام اغمي عليه؟
ورغم كل الألم الذي عانيته في تلك الليلة من التعذيب ، الذي استمر اكثر من ساعتين لم استطع النوم، فصورة الدم التي على الحائط كانت ترسم امامي مشهدا مرعبا فتتردد اصوات الذعر والهلع التي سمعتها قبل قليل من طفل كانت تتقاذفه أيدي الوحوش.
منقول