كم يراقب الإنسان الآخرين، وينسى مراقبة رب العالمين، وكم يراقب العبدُ العبيد وينسى الإله المعبود، فيخجل البعض، ويكف الآخر، ويندم ثالث، ويعتذر رابع، ويبكي خامس....هذا كله عندما يعلم ويحس بأنه مراقب من قبل مخلوق مثله، فكيف إذا علم وتيقن بأن العليم الخبير سبحانه وتعالى مطلع عليه ويراه، ويسمعه، ويراقبه، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
أختي ، سأطرح عليك هذا السؤال: هل تجدين في الدنيا ما هو أعظم من رضا الله؟
ستكون الإجابة حتمًا ودون تردد: لا.
إذاً ، لا تجعل الله أهون الناظرين إليك
يروى : أن الإمام أحمد بن حنبل .. بلغه أن أحد تلامذته يقوم الليل كل ليلة ويختم القرآن الكريم كاملا حتى الفجر .... ثم بعدها يصلى الفجر فأراد الإمام أن يعلمه كيفية تدبر القرآن فأتى اليه وقال : بلغنى عنك أنك تفعل كذا وكذا ... فقال : نعم يا إمام ، قال له : إذاً اذهب اليوم وقم الليل كما كنت تفعل ولكن اقرأ القرآن وكأنك تقرأه علي .. أي كأنني أراقب قراءتك ... ثم أبلغني غداً ، فأتى إليه التلميذ في اليوم التالي وسأله الإمام فأجاب:لم أقرأ سوى عشرة أجزاء فقال له الإمام : إذاً اذهب اليوم واقرأ القرآن وكأنك تقرأه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ثم جاء إلى الإمام في اليوم التالي وقال: لم أكمل حتى جزء عم كاملاً ، فقال له الإمام : إذاً اذهب اليوم .. وكأنك تقرأ القرآن الكريم على الله عز وجل ، فدهش التلميذ ... ثم ذهب..
في اليوم التالي ... جاء التلميذ دامعا عليه آثار السهاد الشديد ، فسأله الإمام : كيف فعلت يا ولدى ؟
فأجاب التلميذ باكيا : يا إمام ...والله لم أكمل الفاتحة طوال الليل !!!!!!
يقول الله عز وجل في حديث قدسي شريف
يا عبادي
إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم
فذاك نقص في إيمانكم
وإن كنتم تعتقدون أنى أراكم
فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟!!!
تروي إحدى الأخوات في تجربةٍ ناجحة لها فتقول : خطرت على بالي فكرة غريبة، وهي تثبيت كاميرات فيديو في بيتي. إذ أردت أن أسجل يوما عاديا في حياتي بشكل تلقائي. فلماذا لا أرى نفسي بعين الآخرين؟
قمت فعلاً بتثبيت الكاميرات في أكثر من مكانٍ بالشقة، حتى تسجل كل حركة وكل سكنة بوضوح. ولكن شعرت برهبة شديدة من هذه التجربة، ولم أدرِ منبع هذا الخوف. هل هو خوف من الكاميرات، أم من نفسي؟
مرت الدقائق بصعوبة شديدة، وسرحت بتفكيري متخيلة أحداث اليوم. وكيف سيسجلها الكمبيوتر باللحظة. لم أكن أنا الوحيدة المتشوقة لرؤية نتيجة هذه التجربة، بل إن مجموعة كبيرة من صديقاتي يتشوقن لرؤية هذه التجربة، وكأنهن يتشوقن لرؤية فيلم سينمائي من نوعٍ خاص، لم يَكتب له السيناريو سواي، ولم يخرجه غيري. ولكن ترى مَن سيشاركني في بطولة هذا الفيلم؟
ثم قلت في نفسي: ما الجديد في الأمر؟ إنه يوم مثل أي يوم، يجب أن أتصرف بتلقائية، وأحاول أن أتناسى الكاميرات. وبدأت أشعر أن هذه الكاميرات تشعر بما أفكر فيه، وكأنها تنظر إليَّ وتتحداني، بل وتبتسم في سخرية؛ قائلة: سأتعرف على كل ما يخصك، سأقتحم حياتك، سأكون شاهدة على أقوالك وأفعالك.
كدتُ أُجنّ من هذه الفكرة. وهدأت نفسي: هذه الكاميرا ما هي إلا جماد لا يحس ولا يشعر. فلماذا كل هذه الرهبة والخوف منها؟!. وفجأة أفقت على صوت رنين التليفون....
- السلام عليكم.
- وعليكم السلام.
- كيف حالك؟
- الحمد لله.
استمر الحديث وأنا أرقب الكاميرات، وكأنها تخرج لي لسانها لتغيظني؛ وتقول لي: سأسمع كل حديثك مع صديقتك. تلعثمت ولم أستطع إتمام المكالمة، وقلت لصديقتي التي كنت أحادثها بالساعات يوميًّا:
- أرجو أن تتصلي في وقت لاحق.. فأنا مشغولة جدًّا الآن، ولا أستطيع محادثتك.
وضعت سماعة الهاتف، وأنا أسأل نفسي: لماذا تصرفت هكذا مع صديقتي. هل هو الخوف من الكاميرات التي ستسجل كل ما أقوم به من أفعال؟ أم هو خوف من نفسي؟ وكأنني أخشى أن أضع نفسي في مواجهة مع نفسي!!
أتذكر كم كنتُ أتحدث مع صديقتي بالأمس على الهاتف دون خوف، عن أخبار الجيران والأقارب والصديقات، و... و... و... والكلام لا ينتهي. لم أكن أخشى الكلمة بالأمس. أتراني أخاف أن أنطق بلفظ يسيء إلى إحدى صديقاتي اللائي سيشاهدن هذا الفيلم. أم أنني أريد أن أظهر بصورة مثالية، فأتجمل وأواري عيوب نفسي؟
وهكذا تمر الدقائق تلو الدقائق، والساعات تلو الساعات. وكلما فكرت في فعل شيء لا أحب أن يراه الناس تراجعت بسرعة، فالكاميرات تسجل وتصور. أحسست بخوف يملؤني، لم أحب أن أخبر أحدا بمخاوفي. أحتاج إلى أحد ألجأ إليه. فقد بدأ خوفي يزداد أكثر وأكثر، وشعرت بحاجة إلى قوة تحميني من خوفي.. ولكن بمن ألوذ؟!
ذهبت لا إراديًّا لأتوضأ وأصلي، وأبكي بين يدي الله. وكأنني أصلي لأول مرة في حياتي. دعوت الله أن يهديني ويرشدني إلى طريق الصواب. ولأول مرة في حياتي، ملأت الطمأنينة قلبي ونفسي. ما أكرمك يا الله! لقد كنتُ في غفلة، ما أحلى الفرار إليك يا الله. أنت ملاذي وملجئي. لم أعد أخشى أو أخاف سواك.
نعم لأول مرة في حياتي أستشعر معية الله. وتذكرت قصة الصبي الذي أوصاه خاله سَهْل التُّسْتَرِيّ التابعي الزاهد، أن يردد كل يوم: "الله شاهدي.. الله ناظري.. الله مطَّلع عليَّ". فظلّ يردد هذا القول حتى أصبح ملازما له. وكلما أَقْدَم على فعل المعصية، تذكر أن الله يراه. فيبتعد عنها، خوفا من غضبه.
ونعود ثانية إلى موضوع الكاميرات؛ فقد مرَّت حتى الآن ستّ ساعات متواصلة من التصوير، وها هي مثبتة في أماكنها لم تتغير. ولكن هناك أشياء أخرى قد تبدلت.
نعم.. أولها: أنني لم أعد أخشى من تلك الكاميرات. بل أحببتُها جدًّا؛ لأنها أحدثتْ تحولاً كبيرًا في حياتي، ونظرت إليها في امتنان، وكأنني أقول لها: شكرًا.
والأغرب من هذا أنني بعد فترة لم أعد أشعر بها، أو أفكر فيها. ولم يعد يهمني ما تسجله الكاميرات. فلم تعد تلك الكاميرات هي الرقيب عليّ، إنما ما هو أعظم منها، وهو شعوري بمعيّة الله الذي لا يغفل ولا ينام.
فلو فرضنا أن الكاميرات سجلت كل تصرفاتي، فما الذي يجعلني أخاف؟! أأخاف من الناس الذين هم مثلي أمام الله؟ أأخشى الناس ولا أخشى الله؟! فما الفائدة إذا كنتُ في أعين الناس عظيمةَ الشأن؛ ولا أشعر براحة الضمير. حينئذ تذكرت مقولة وهب بن الورد: "لا تجعل الله أهون الناظرين إليك".
فخشيتِي للناس أعطتني وقفة، والله أحق أن أخشاه. فإذا كنتُ أخاف من مخلوق مثلي قد يراني، وقد لا يراني، فالأولى أن أخشى من الخالق الذي يرى جميع تصرفاتي، ويعلم أسراري وخواطري {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7].
قمت وأغلقت تلك الكاميرات، فلم أعد في حاجة إليها، ولن أحتاج أن أسجل يومًا من حياتي. فعندي ملكان يسجلان عليَّ كل أعمالي. وكل أقوالي: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7- 8]. وهناك أيضا رقيب وعتيد {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].
أختي ....ماذا لو تخيلتِ أنك تحت رقابة القمر الصناعي ليوم واحد، وتصرفت كما لو أنّ العالم كله سيرى أعمالك.. ماذا ستفعلين ؟
يا إلهي.. لقد كانت فكرة الكاميرات أبسط بكثير، فما بالك بالقمر الصناعي، والعالم كله يراك؟! هل تعصي الله؟ هل تحبين أن يراك أحد على معصية؟! بالطبع ستكون الإجابة: لا.
فلا تجعل الله تعالى أهون الناظرين إليك
أيليق بأحد بعد ذلك أن يتساهل في علم الله به، ونظره إليه، أيقبل أحد أن يراه مولاه حيث نهاه؟، أو يفقده حيث أمره.
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
منقوووووووووووووووووووووووووووووووووووووووول
الرجاء منكم الدعاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااااااااااااء
.