ختم الأطروش الرسالتين ثم أعطاهما للصائغ وقال له " أخرج فورا ولا تضيع دقيقة واحدة إصنع ما أمرتك به وإياك أن تثير انتباه الحراس " .
وكما كان منتظرا... وجد الصائغ فوق التلة المقابلة للقلعة فارسا يركب جوادا أسود ..ولما وصل إليه حياه وعرفه بنفسه ثم قدم له الرسالتين ...
كان الفارس ينتظر فوق التلة
قرأ الفارس الرسالتين بتمعن ......كانت الأولى موجهة إلى مودي اخي الأطروش والثانية إلى اخت الأطروش قلب ولم يكن فيهما إلا عبارة واحدة هي " أطبق علي فخ الحاكم في القلعة ولم يعد حولي رجال أثق بهم " ...فهم الفارس ما هو المطلوب منه .......حيا الصائغ بإنحناءة خفيفة من رأسه.... ثم همز جواده وإنطلق بسرعة خاطفة صوب أراضي الشمال ....وسرعان ما ابتلعه ضباب الفجر الذي بدأ يغمر تلك البطاح الحزينة .
كان الأطروش وأخويه أيتاما تتقاذفتهم الملاجئ .....لقد عاشوا حياة قاسية ذاقوا فيها أنواعا من الحرمان والظلم ....وقبل أن يقتلهم جو تلك الملاجئ الملعونة تدبر الأطروش - اكبر الإخوة - حيلة هربوا بها ليعبروا البحر فوق ظهر سفينة تجارية باتجاه أراضي النبلاء في أقصى الشرق حيث يقال أن العيش هناك أرحم.
كان بالإمكان أن تبلغ تلك السفينة شواطئ اقصى الشرق بسلام ....لولا أنها تعرضت في عرض البحر إلى هجوم مباغت من قراصنة الجزر الإستوائية ....شاهد الأطفال الثلاثة بعيونهم البريئة كيق قتل القراصنة ربان السفينة وطاقم الملاحة والبحارة ورأوا كيف قذفوا بالركاب واحدا تلو الآخر إلى قعر البحر ليكونوا طعاما للأسماك ... ولما وصل الدور عليهم ...أدركت قبطان القراصنة رحمة ما ....لا أدري ...و وسط دهشة أولئك الوحوش.... قرر أن يبقي على حياتهم ....و يتركهم على ظهر سفينته ...
وألقى القراصنة الركاب في البحر
وخلال سنوات طويلة إعتاد الأشقاء الثلاثة على حياة المغامرة و تعلموا من معاشرة القراصنة استعمال السيوف والخناجر وكيف تدبر الغارات واصبحوا يستمتعون بالهروب المتواصل من المدافع المجنونة للسفن التابعة لأسطول القوات الملكية .
ولكن لا ...كما بدأت حياة القرصنة بعنف انتهت بعنف مماثل ....في فجر يوم عاصف تمكنت مدمرة حربية من إغراق سفينة القراصنة قبالة سواحل جزيرة الإتحاد ......ولكن الأطروش وأخويه تمكنوا من السباحة بأمان حتى شاطئ الجزيرة ليشاهدوا بعد ذلك سفينتهم اللاهبة تهوي إلى قعر البحر بغير رجعة .
ومضت سنوات بعد ذلك طاف فيها الأطروش واخويه المدن والقرى بحثا عن العيش بسلام ....ولكنه كان أمرا مستحيلا .....لقد بلغ ظلم ملوك الشمال ومن تبعهم من حكام القلاع والنبلاء كل مكان ...كان الناس يستغيثون ولا أحد ينجدهم ...لذلك إضطر الثلاثة إلى استعمال سيوفهم لأخذ حقوقهم بالقوة عدة مرات ....وبقدر ما خطفت جرأتهم إعجاب الناس بقدر ما أثارت ضدهم حقد أولئك الطاغين ...لقد أرسلوا ضدهم عدة حملات عسكرية لتأديبهم ولكن من غير جدوى ....لقد إنضم الكثيرون لعصابة الأطروش ....وقتل الكثير منهم في حروب مريرة استغرقت سنوات ...وارتكبت في ذلك الزمان مذابح عظيمة يقشعر لها البدن ...
كان الأطروش يعتبر إنقاذ القرصان المسجون في القلعة دينا يجب عليه رده لأولئك الذين ربوه .....ولذلك فضل أن يغامر بنفسه دون مودي وقلب ...أخذ معه خمسة رجال قتلوا جميعا ...بسب حركة حمقاء تقريبا .
كان الأطروش يلوم نفسه على ذلك وهو يمشي في سوق القلعة ..لقد كان تعبا وجائعا بعدما قضى ليلة كاملة وهو يهرب من حراس القلعة الذين طاردوه في كل مكان ...
توقف فجأة أمام سلة تفاح أعجبه وسأل التاجر بدون أن يرفع رأسه " بكم تفاحك يا رجل ؟؟ " أراد التاجر أن يجيبه ولما فتح فمه أبصر غمد سيف االأطروش بعدما رفعت ريح خفيفة الرداء الذي يغطيه وعندها صاح بأعلى صوته " القرصان ... القرصان ...هلموا أيها الحرا......" وقبل أن يكمل صيحته تلقى ضربة هائلة من الأطروش الذي انطلق بجنون هاربا بين البيوت القريبة من المكان "..
وضرب الأطروش التاجر القذر .
وبأسرع مما كان يظن بدأت كتيبة كاملة من الحراس تلاحق الأطروش في تلك الأزقة الضيقة ...كان الأطروش سريع الحركة ... وبما أنه كان يفضل الهروب إلى الأماكن العالية ارتقى جدار بيت في شارع ضيق ثم ركض على سطحه وقفز إلى الشارع الخلفي .
كان الأطروش كثيرا ما يلجأ إلى هذه الحيلة للهروب من ملاحقيه ....وكانت دائما تنجح ..... وبحكم العادة تحولت هذه الحيلة إلى حركة غريزية .
وبأسرع مما كان يظن إنطلقت كتيبة من الحرس في ملاحقته
قفز الأطروش قفزة هائلة ولكنه سرعان ما أدرك بأنه قد ارتكب غلطة فادحة أخرى ...سحقا ....لقد قفز فوق رأس كتيبة أخرى قادمة من ذلك الشارع
لم يصدق الجنود أعيونهم وهم يرون الصقر المطلوب يهبط بدون أن يملك اي خيار أمام رماحهم الجائعة ....
قفز الأطروش فوق كتيبة من الحراس
وبسرعة خاطفة هجم الحراس عليه وقيدوه بالحبال ثم أوسعوه ضربا قبل أن يحملوه إلى مقر الحاكم وهم يصيحون من الفرحة .
وبأسرع من ذلك بلغ خبر القبض على الأطروش مسامع الحاكم الذي جمع حاشيته السافلة للنظر في أمره ....ولما أدخل الأطروش عليه هجم الحاكم بنفسه عليه ثم ضربه بقسوة على وجهه وقال له " و أخيرا وقعت أيها القرصان "
وضرب الحاكم الأطروش بقسوة على وجهه
نظر إليه الأطروش بسخرية ولم يرد شيئا ...وفيما كانت أفراد الحاشية يتهامسون بينهم ... تقدم مستشار الحاكم من الأطروش وقال له بخبث " نحن نرحب بأمثالك بشكل جيد في قلعتنا " ورد عليه الأطروش " حقا ؟؟... إذا أبعد رأس قليلا أيها الحقير إذا كنت لا تريد أن أبصق عليه " وعندها ارتفعت أصوات الحاشية غضبا لتلك الإهانة ..... وأرادوا أن يقتلوا الأطروش في الحين.... لولا أن الحاكم رفع يده في حركة رهيبة ومنعهم من الكلام ...... ثم قال بصوت يملأه الحقد....... : " أحضروا الجلادين "