يدل مفهوم الموت في الإسلام على خروج الروح من الجسد بواسطة ملك من الملائكة هو ملك الموت، قال الله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11]، ويساعده مجموعة من الملائكة يقومون بنزع النفوس نزعًا من الظالمين قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام: 93] وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97].
أما الطائعون الطيبون فتتولاهم ملائكة الرحمة وتبشرهم برضوان من الله ومغفرة وسلام منه ورحمة. قال الله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل:32]، وقال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27-30].
ويأتي الإسناد في بعض الآيات مباشرة لله تعالى، حيث الفاعل على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى حيث يقول: {اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42]، {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام:60].
وبين الموت والنوم شبه اتصال قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وإذا انتبهوا أبصروا وعرفوا ما كانوا فيه من غفلة قال تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد" [ق: 22].
ولا نريد الخوض في دراسة الصلة والفرق بين الموت والنوم؛ لأن لهذا الموضوع مجال آخر من البحث، وإن كان كلاهما يعبر عن مرحلة معينة من الغياب عن الوعي والإدراك الظاهر.
ومفهوم الموت عند جميع المسلمين هو انتقال الروح من الجسد إلى ما أعد لها من نعيم أو عذاب والروح مخلوقة خلقها الله سبحانه وتعالى كما خلق سائر الكائنات، ثم هي بعد ذلك خالدة والمقصود بموتها مفارقتها الجسد.
قال الإمام ابن القيم في كتاب الروح: "والصواب أن يقال: إن موت النفوس هو مفارقتها للجسد وخروجها منه، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدمًا محضًا فهي لا تموت بهذا الاعتبار".
وقد ذكر الفقهاء علامات على الموت منها : "انقطاع النفس، واسترخاء القدمين، وعدم انتصابهما، وانفصام الكفين وميل الأنف وامتداد جلدة الوجه، وانخساف الصدغيين، وتقلص الخصيتين مع تدلي الجلدة، وبرودة البدن" وهذه العلامات جميعها ليست علامات مؤكدة على الموت ما عدا انقطاع النفس الذي ينبغي أن يستمر لفترة من الزمن.
وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم علامة هامة تحدث في كثير من الحالات عند الاحتضار وخروج الروح. عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الروح إذا قبض أتبعه البصر" أخرجه مسلم.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت". أخرجه أحمد في مسنده.
ثانيا: موت الروح :
اختلف العلماء في الروح، هل تموت أو لا تموت؟ فقال بعضهم إنها تموت لقول الله سبحانه {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقالت طائفة أخرى إنها لا تموت للأحاديث الدالة على نعيمها وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله تعالى إلى الجسد.
قال الألوسي في تفسيره : "الصواب أن يقال موت الروح هو مفارقتها للجسد، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تنعدم وتضمحل فهى لا تموت، بل تبقى مفارقة ما شاء الله تعالى ثم تعود إلى الجسد وتبقى معه في نعيم أو عذاب أبد الآبدين؛ وهي مستثناة ممن يصعق عند النفخ في الصور على أن الصعق لا يلزم منه الموت، والهلاك ليس مختصا بالعدم، بل يتحقق بخروج - الشيء عن حد الانتفاع به ونحو ذلك".
ولقد اختلفت الآراء في الحضارات والأديان بعد ذلك اختلافات شتى في هذه الروح.. وهل تعود إلى هذا الجسد أم تعود إلى جسد آخر كما اختلفت في كيفية خروجها وخلوصها من هذا البدن ويعتقد البوذيون والهندوس والشنتو على سبيل المثال أن الروح تظل حبيسة في الجسد وبالذات في الجمجمة عند الموت وأنها لا تنطلق إلا بعد حرق الجثة وانفجار الجمجمة.
ولذا تراهم يحرقون جثث موتاهم؛ ثم إن الهندوس والبوذيين يعتقدون بتناسخ الأرواح، وأن الروح الشريرة تعاد في جسد حقير مثل الكلب والخنزير، وتظل في تلك الدورات حتى تتطهر وأن الروح الصالحة الخيرة تظل تنتقل في الأجساد الخيرة حتى تصل مرحلة النرفانا وهي السعادة الأبدية المطلقة في الروح المتصلة بالأبد والأزل كما يزعمون.
ثالثا: مفارقة الروح للجسد :
لقد أخبرنا المولى عز وجل أن الروح تفارق الجسد في حالتين:
الحالة الأولى: حالة الموت.
الحالة الثانية: حالة النوم.
ففي حالة الموت تفارق الروح الجسد نهائيًّا، ولا تعود إليه إلا يوم القيامة، وفي وحالة النوم تفارقه مؤقتا، وتبقى على اتصال بالجسد، لكن تجد النائم لو وضعت عند أنفه رائحة عطر هل يشمها وهو نائم؟ بالطبع لا، وكذلك لو فتحت عينيه ووضعت أمامه منظراً لا يراه وهو نائم، ولو تكلمت عند أذنه بكلام بسيط لا يسمع وهو نائم.. لماذا؟ لأن الذي يسمع ويشم ويرى غير موجود وهي الروح، تريده أن يشم؟ تريده أن يسمع؟ تريده أن يرى؟ أيقظه يشم الرائحة، ويسمع الأصوات... أين كانت الروح أثناء النوم؟
يقول الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} [الزمر:42]. ولهذا جاء في الحديث أن العبد إذا قام من النوم يقول: "الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور"، ويقول إذا أتى مضجعه كي ينام: "باسمك اللهم وضعت جنبي وباسمك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها -أي أرجعتها- فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين".
وختاماً؛
نسأل الله أن يختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين، وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد، وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين، وفقنا الله وإياك إلى ما فيه الخير والصلاح، وتابعنا بأخبارك..