من يذكر حادثة مرعبة عليه أن يحتمل رعشة الخوف, ووسوسة الروح, ما دام وحيدا تصطك أسنانه رعبا لهول الموقف, في ساعات يسفر بها السكون الأصم, عن جلبة الأرواح التي تسكن العالم, وقت يهب الليل الغامض بالأسرار المجهولة.
لكن مثل قصتي اغرب من الخوف, إنها أشبه بعشق.
أتمنى أن أكملها لأني اشعر بأن قواي تتلاشى وأنني سأذهب.
آه يا إخوتي لا يمكن لي أن أنسى أيمن, وعيناه الزرقاوان ,لا يمكن أن أنسى حتى تفاصيله الصغيرة.
كان يتعلق بي ويهيم بي حبا, كما كنت أبادله ,وكان ضالتي والسحابة الماطرة حبا متلألئا ,إذ يرافقني ولا يتوانى عن مصاحبتي ,حتى لو قذفت نفسي ببئر ما كان ليفكر.
كان يتيما مات أبوه -الذي هو عمي- وأمه بحادثة سير, وهو الوحيد الذي نجا, فتربى وترعرع في بيتنا, ليكون لي أخ.
كان عمري إبانها عشر, وكان يصغرني بسنتان ,وكنا بالقرية متى ما سأل عنا احد أندادنا , ما يعتم الجواب أن يكون تجدونه مع احمد وهو بالمثل.
وفي يوم من أيام الصيد خرجنا صوب الأشجار البعيدة الكثيفة, ننصب الفخاخ للطير, وقد توغلنا بالغاب, بينما سحر نيسان قد هل عبقة بأنسام السنديان والأعشاب البرية, وكان هذا بمنطقة الحفر والآبار العتيقة , التي يعشعش بها السود والدوري .
وفي تلك الساعة المجنونة, عندما كتم الخلاء أنفاسه, مزق الفضاء صراخ
ثم تلاه صوت ارتطام مريع ,وخيم سكون مجنون مريع بعدها على الغاب. ركضت مفزوعا وصحت : أيمن.
لم يجبني أحدا. تضاعف قلقي بهذه الأرض الموحشة , وتسورت مخيلتي صورة البراءة وهي بين أنياب هذا المكان القاسي .
تغير صوتي انطلقت حنجرتي بصوت متهدج باك مشفق :
أيمن أين أنت يا حبيبي.
لم يجب أحدا
اقتربت من حفرة كانت فارغة ,ثم لاح لي جب على مبعدة أمتار معشوشب بأدغال الحشائش المنتصبة كما فخ ,وقد هالني أن رأيت في وسطه فتحه, بدت لي كأنها مهوى أيمن إلى قعره اللعين,
وقد استطعت بحذر أن انتزع عن حواف البئر الأعشاب ألمتا لبه المتكتلة.
لكن العمق بدا وكأنه بلا نهاية, فالظلام يقدح بالعمق المجهول:
أيمن .
ردد ت دهاليز البئر صوتي ولم ينجدني صوته, لم يخرجني من تحت انقاض الخوف والعذاب.
جلست ابكي قلة الحيلة, يهزني شبح المصير المرعب الذي آل إليه صديقي الأعز من روحي والذي تربى معي أخا.
ونبتت الأحزان الغامضة بمخيلتي, سفرجلات وأحزان من بيلسان ذكرى الغروب البنفسجي , وأشرقت عيناه الزرقاوان, ووجهه الساحر الجميل من مخيلتي الجريحة ,وغردت سهام صوته من الماضي العميق بالود عندما قال : لو متت قبلي سأدفن نفسي بجانبك.
أواه يا أيمن .ها أنا عاجز عن رمي نفسي بهذا الجب حتى أشاركك مصيرك.
عندا ركضت صوب القرية, وأحضرت أبي وإخوتي , نصبوا الحبال وهبطوا بمصباح, ثم صعدوا بأيمن وأكتافهم ترتعش , وحناجرهم تهز الغاب.
كانت عيناه الزرقاوان مفتوحتان وجبهته مشدّخة, والفخ الذي كان بيده تحول إلى سلاح اخترق عنقه.
ليس في وسعي وصف حالتي, لقد فاقت الوصف خاصة ساعة دفنه.
ما أثقل تلك اللحظات والحزن ينيخ بلا هوادة على روحي فيفتتني,
خاصة سريرة الخالي بجانبي كان يعذبني,وكان يعذبني اكثر انه ليس عليه, وانه فارغ فارغ.
كنت أعيش وكأنني خارج عن فيزيائية الواقع, كأنني بعالم من الظلال
المتراقصة بالأحزان والأطياف.
كان يزورني بأحلامي, ويقول بصوته العذب : لم أنت حزين على موتي
إن كنت تريدني فسآتي إليك, فقط قل انك تريدني.
وذات مساء, وأنا ما بين دمعة وذكرى الفخاخ والصيد مع أيمن,
وبينما الليل يرتدي ثوب الحداد بالخارج, والضوء الخافت من مصباح النوم يشع بالغرابة الباهتة ,تناهى نقر على الزجاج يحطم صفو السكون, ثم تلاه هزات عنيفة, ثم لج الصوت في خضم السكون الخالد ,ثم بدت النواسه المعلقة تتأرجح, ويخفت ضوءها تدريجيا ,إلى أن غدت الرؤية شبحيه لا تحقق مشاهدة الهيئة. بدا الخوف ساعتها كإعصار يجوب أعماقي, حتى غدت نبضاتي, وهدير صدغي طبول تقرع بذلك التيار الجارف, الذي اقشعر له بدني , وأوقف شعر رأسي حتى اصطكت أسناني.
هيئت نفسي لأثب فارا, فأحسست بخدر شلني وقيدني, حتى احتبس صوتي, فشق علي الصراخ ,اللهم سوى من أنفاس تتحشرج .
ثم تناهت في حلكة الضوء ألشبحي, أصوات أقدام كما لو أنها أصوت أقدام إنسان ميت, يستبيح الحجب ويجوب ارض الأحياء.
كل هذا وأنا ارتعد, والخدر يشلني ويكاد يحبس بعد صوتي أنفاسي.
ثم أسفر نور ابيض عن وجه مشرق.
لقد كانت ملامحه واضحة, أواه انه هو أيمن, ولكنه أجمل يبدوكما ملاك مكحل, وترنم صوته كأنه يطل من العالم الخالد: هل أنت حزين لأجلي يا حبيبي ,لا تحزن لقد شاع اسمك بالملا, وستصفر ورقتك بالدنيا ويدنو خريفك عندما تصل الثلاثين, ويومها ستشعر بوهن قواك وحمى تقبض على أثرها , وستكون معي طير اخضر إلى حين الموازين.
ثم ذهب ذهب الصديق الرفيق الحبيب الملاك , وتركني أتكوى على أمل لقائه .
لم أكن أريد أن أخبركم, لكنني مضطر لتفرحوا لي, لقد تراخ جسدي بعد مضي أعوام من الجزع والألم, بعد أن عذبت, وشك أهلي بقواي العقلية, فزرت المصحات وأنا بريء من الجنون .
آه يا أخوتي ما أروع هذه اللحظات...
إن الحمى تسري بجسدي عشقا, وكأنها أنسام الفردوس.. يداي ترتعشان.. اشعر بسكر الهذيان.. العالم يموج من أمامي كما حلم .. بياض يغزو مخيلتي.. رائحة زهور سحرية.. طائرا ابيض.. العالم يتلاشى..
آه وداعا.!