4_ ( الجزء الرابع .. والأخير )
************************
وقبع السجين .. تنتظره سنين طويلة في غياهب السجن , عن جرائم الاختلاس وتبديد المال العام وأستغلال المركز الوضيفي .. وتقرر أن يودع السجن لسنين عديدة مقابل ما تبقى بذمته من أموال للدولة ...
وفي صباح ذلك اليوم .....
وصل محامي أحدى الشركات الخاصة الى دار القضاء ...
وطلب مقابلة السجين ..!
وبعد الانفراد مع بعضهما ....
قدم المحامي عرض خاص بشركته الى السجين , والذي ينص على ... ( أن الشركة المذكورة مستعدة أن تسدد ما تبقى بذمة السجين من أموال للدولة , ليتسنى الافراج عنه , وأطلاق سراحه ...) . كل ذلك مقابل _ أن تحتكر الشركة المعنية خدمات السجين لصالحها _ ولمدة من السنين سيتفق عليها لاحقاً .. فيما بين الشركة والسجين ... وسيتم ذلك الاتفاق بعد الافراج عنه ..
ولكن بشرط ..
أن يتم توقيع السجين مسبقاً على صك لصالح الشركة بقيمة المبلغ المدفوع للدولة لغرض الافراج عنه ... على أن يكون ذلك المبلغ ..كدين عليه لصالح الشركة ..
وسيتم أطفاءه وتصفيره بعد أكمال المدة التي سيتفق عليها لخدمته في تلك الشركة ....
فوافق على عرض الشركة فوراً من دون أي أستفهام ..
حيث لم يكن أمامه أي منفذ للنجاة من السجن إلا هذه البادرة والتي لم تكن بالحسبان ..
فوافق على الفور .. بل تمسك بهذا العرض لأنه كان بمثابة طوق النجاة الذي سينتشله من الغرق في ظلمات السجون ...
تنفس الصعداء ...
بعد أن تم الأتفاق مع تلك الشركة ...
وبدت له نوافذ الحرية مشرعة أمامه بعد أن تأكد بأن نهايته ستكون خلف القضبان ..!!
وتم أطلاق سراحه .. بعد أن نفذت نصوص الصفقة التي بينه وبين الشركة .. تلك الصفقة التي كانت كمنحة قدمتها له السماء ...
وتلمس الحرية , وهو يخطوا خارج السجن بعد تبرئته وأخلاء سبيله ..
ألأن ..
فقد أخذ قرار في سره .. على أن يحافظ على ما تبقى من أيام حياته _ بأن يبقى حراً طليقاً _ بعدم الاقتراب الى أي أسلوب مراوغ وغير سليم .. بعد أن تشبع بالندم ..
كما كان قراره الأكيد ..
وهو أن يخلص الى تلك الشركة التي أنقذته , بكل ما بكلمة الاخلاص من معنى .. لكونها كانت كفوف الرحمة التي تلقفته من بين ظلمات السجون , وأنتشلته الى نور الحرية الرحب , بعرض سخي ..لايعادله كل الأخلاص على مدار عمره المتبقي ..!!
وبعد خطوته الأولى خارج بوابة السجن ...
قرر أول ما يتوجه الى مقر الشركةالمذكورة , وذلك للمباشرة في أجراءات تعينه فيها , والبدء في تقديم خدماته لتلك الشركة الكريمة ..
وعند أول صباح من صباحات الحرية ...؟!
كان يجلس في أستعلامات الشركة بأنتظار السماح له بمقابلة مدير عام الشركة ...
وبعد أن تم أدراج جميع البيانات المطلوبة ... تم السماح له بمقابلة المدير العام ...
ودخل .....؟!
...............
...............
وكانت هي نفسها مدير عام الشركة ..؟!
حبيبته ..... التي كانت , حبيبته ... صاحبة الوداع الاخير ...!!
وتسمر في مكانه ...
لم يعد يستطيع الحراك وهو يغط في عرق الخيبة والخجل , وتصلب جسده من شدة المفاجأة ..
فقد أدرك الآن ... أنها هي التي سعت الى مساعدته وأخراجه من تلك النهاية المحتومة في دهاليز السجون ..!!
أدرك الآن والآن فقط ...
كم هي تحبه .. وكم كان هو جاحد وناكر للجميل ..!!
تأكد وبالدليل القاطع ... عظمة ما قدمته له سابقاً , وما تقدمه الآن ..
شعر أنها تحبه فعلاً ... تحبه حب حقيقي صادق , عكس حبه الذي كان حب الفرص المتاحة لاغير ..!
وتجسد له الجرم الكبير الذي أقترفه بحقها عندما سافر بما كان منها من مساعدة مالية , ولكن ليس كطالب علم فقط .. بل كصياد فرص أيضاً ..
وتأكد لديه الآن أنها لاتستحق كل ذلك منه ...!!
وفي وقفته المخزية هذه ...
أدرك صعوبة الموقف الذي وضعها فيه يوم زيارتها له في مكتبه أول مرة بعد عودته , وكيف أخبرها بزواجه من تلك السيدة الغريبة , دون أية إلتفاتة منه لحرج موقفها ولتجريح مشاعرها ...
حيث توهم في حينها ..
بأنه قد تخطى كل الصعاب , وأصبحت الدنيا طوع إشارة من يده .. وتناسى أن نهايته قد تكون على غير ما خطط وقرر ..!! . بعد ما أرتكب جريمة نكران الجميل بحق حبيبته , والذي كان يجب أن يكبله طيلة أيام عمره ..!!
عرف الآن ..
كم كان قاسياً عليها .. عندما أخبرها بزواجه .. حيث كان كمن يقدم لها السم في طبق من الأيس كريم ..
ومع كل ماكان منه ...!!!
ها هي الى الآن لم تزل تحبه ولم تزل تقف الى جانبه رغم كل الذي كان منه ...!!
لقد طهرت وللمرة الثانية كمنقذة في اللحظات الصعبة في حياته ..
وبعد أن تلبسه الندم ...
قرر من الآن ..أن يعوضها عن كل الذي فاة بسبب تصرفاته الخرقاء .
والآن فقط قرر قراره القاطع .. على أن تكون هي كل حياته القادمة ...
كل هذا .....
وهو لم يزل واقف في مكانه وهو يتطلع اليها بكل تودد وحب ...
وأخيراً ... حاول أن يجلس على الكرسي الذي أشارة اليه , وهو يتسائل بندم وخجل :
_ لم كل هذا ..؟! . مع أني لا أستحق ذلك ..؟؟
فردت عليه بلغة سيدات الأعمال المحترفات ...
وقالت والبسمة على شفتيها :
_ في أول الأمر .. قدمت ما قدمت لك , لكوني كنت أتعامل معك بقلبي ( وكما قلت لك ذلك مسبقاً) .. حيث كنت تمثل لي فرصة عمري الوحيدة ... أما ما أقدمه الآن ... وبعد ما أحكمت حظرتك _ أغلاق القلوب _ بتصرفك الغريب لأستغلالك فرصة عمرك مع زوجتك الغريبة , وأنت في تلك البلاد البعيدة .. فما أقدمه الآن , هو ما يمليه علي العقل والمنطق .. حيث أصبحت الأن أتعامل معك من خلال عقلي فقط . وبما أنني أعمل بالتجارة , وكما ترى ذلك حيث آل لي كل شيء بعد وفاة والدي .. فلابد أن يكون عقلي وتفكيري تجارياً أيضاً .. والمنطق التجاري قائم على مبدأ الربح والخسارة ..صح ؟؟
فهز رأسه موافقاً ..
ثم أكملت كلامها قائلة :
_ فهنا لزاماً علي أن أنقذ شهادة الدكتوراه التي تحملها , وذلك لأستثمارها والأستفادة من مميزاتها .. بعد أن صرفت عليها الكثير ..!!
فهز رأسهه بالموافقة دون المقدرة على تحرير كلمة واحدة ..
وكملت هي قائلة :
_ وما يعنيه ذلك في لغة التجارة هو .. أني أستثمر أموالي التي صرفتها على شهادة الدكتوراه .. قبل أن تضيع في السجون ويضيع معها حقي فيها .. فكان لابد أن أنقذها لأسترد ما صرفت من أموالا عليها بأستغلالها , وإلا سأكون أنا أول الخاسرين ..!! .
فتح عينيه بأقصى أتساع .. فبدا وجهه وكانه عيون فقط ولا شيء غير العيون ..
وأستمرت هي في أكمل حديثها قائلة :
_ فالذي حصل أنني قمت بأنقاذ _ شهادة الدكتورها _ ولم أنقذك أنت شخصياً كما توهمت ..!
وبعد أن وصله كل كلامها
تكور على نفسه من الغيض والندم والخزي , وأنكب على مقعده أمام مكتبها .. وأخذ يتلفت باحثاً عن مكان يلوذ به من شدة الأحراج والأرتباك .. ولم يقوى على تحرير كلمة واحدة , فقد شعر أن لسانه قد تعلق في سقف حلقه في تلك اللحظة ..
وفي ذات الوقت ... طرق باب المكتب . عدة طرقات خفيفة ..
ودخل شاب وسيم , طويل القامة , قوي البنية , مفتول العضلات , ذو وجه مليح , تعلو ثغره أبتسامة فاتنة ..
وحال دخوله لمكتبها ...
نهضت هي لأستقباله بكل سرور وترحاب , وتنحت عن كرسيها خلف المكتب .. لتفسح له المجال ليجلس مكانها ... وجلست هي بجانبه ..
وكانت ملامح الفرح والسعادة تشع من وجهيهما الصبوحين ..بينما كانت خواتم الخطوبة تلمع متوهجة بيديهما اليمين ...!!!
................... تمت ......................
................................................ شكرا