ولد "بلاسيذو روبيرو ألفارو" في فيا سان خورخو-الحسيمة بالمغرب سنة1944، حيث عاش بها إلى غاية مارس 1968، ويعتبر أحد أبناء الحسيمة البارين، وهو"الإسباني الريفي" كما يقول عن نفسه في العديد من اللقاءات، شاهد على نشوء وتطور المدينة. ومن خلال اعتزازه القوي بالاٍنتماء للمدينة-الأم و اهتماماته المتزايدة بفيا سان خورخو-الحسيمة فقد استمر في زياراته المتواصلة لمسقط رأسه ليحكي ذكرياته وتجاربه و يقدم أبحاثه المنجزة حول الحسيمة والريف. و يأتي كتاب "الحسيمة تاريخها في صور" كوثيقة تاريخية معززة بالصور لتسلط الأضواء على الجوانب المتحولة في تطور المدينة. صدر الكتاب عن مطبعة "كاربخال. ش. ق".-إسبانيا-.الطبعة الاْولى 2002. ترجمه إلى العربية الأستاد محمد أزيرار.
يستهل الباحث في تاريخ الحسيمة حديثه بوصفه للنقطة الجغرافية-الحسيمة حيث وقعت الأحداث التي كانت وراء ذكرياته.
...إلى حدود سنة1925، في المنطقة حيث تقع الآن مدينة الحسيمة "فيا سان خورخو حتى1956" لم يكن يوجد سوى سهوب و كثبان رملية هائلة، قد أتعبتها رياح الوحدة، لا شجر فيها و لا عشب إلا من بعض نبات الحلفاء الضعيف ونخيلات متفرقة، و لا حيوانات إلا من سرطانات البحر في محاجرها، والنوارس المعشعشة في جحور صخور الخليج.
على هذه الكثبان الرملية القاحلة، نشأت المدينة السعيدة فيا سان خورخو/الحسيمة. المدينة التي نشأت بالصدفة في هذا الموقع الجغرافي و من غير أن يكون ذلك متوقعا. لم يكن نشوء المدينة منتظرا ولا متوقعا، لقد نشأت بفضل مواظبة و مثابرة حفنة من الأسر التي بنت على هذه الأرض اليابسة الجدبة منازل وشوارع ومدارس وحدائق وأشجارا وورودا وكنائس ومساجد...، والأكثر من هذا، تمكنت هذه الأسر من التآخي والتعايش واحترام سكان وأهالي هذه الأرض، فوفروا لهم العمل والصداقة والثقافة واحترموا عاداتهم وعقائدهم.
الحسيمة هي المدينة الوحيدة التي أنشئت، حسب الشكل الجديد للحماية الإسبانية في المغرب، على غرار أي بلدة إسبانية في الأندلس، بدون "مدينة قديمة"، و لا "ملاح"-حي يهودي-، ولا "قصبة"، وساكنة متداخلة. هذه التي تختلف تماما عن باقي المدن المغربية، مما أضفى عليها طابعا مزدوجا لميلادها المزاوج بين الثقافة الإسبانية والثقافة المغربية.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
نعم هده المدينة الساحرة ، بالطبع كل شيء بدأ إثر نزاع حربي، أدى إلى انشقاق وتمزق بين الشعبين في إطار حدث من أهم الأحداث التاريخية في القرن العشرين. و على الرغم من ذلك، فإن المدينة، خلال نشوئها ألفت بين سكانها وثقافتهم بغَضّ النظر عن أصولهم أو انتماءاتهم الاجتماعية. لا أحد ينسى مروره من هذه البلدة الواقعة في منتصف الطريق بين مليلية و سبتة، حيث تتشابك التقاليد والأديان والثقافات. إن البلدة التي أصبحت مدينة لم تكن تماما إسبانية ولا مغربية. كانت بلدة "متميزة" عالمية، وحديثة، وسعيدة، وكريمة، وأثرا حيا لا يمحى في قلوبنا لا يمحي.
نشأت المدينة تحقيقا للآمال الكبيرة للسكان المدنيين الأوائل، الذين فكروا منذ البداية، أنه في المستقبل القريب، حينما ستتوفر المدينة على الميناء والطرق، ستصبح المدينة البوابة الطبيعية لصناعات مدينة فاس وخشب كتامة، و حينئذ ستصبح المركز التجاري والفلاحي للريف.
بحلول عام 1930 أصبحت المدينة تتوفر على كل المرافق الأساسية، بحيث تتوفر على إدارة مستقلة، وخدمات اجتماعية مدنية. كما عاشت المدينة ما بين 1944 و1955 سنوات من الازدهار والرخاء أنستها، نسبيا، جروح الحرب الأهلية وآلامها، وعادت المدينة إلى حياتها العادية، وعاد السكان إلى عاداتهم التي افتقدوها خلال ثلاث سنوات تقريبا. ومن مظاهر هذا الازدهار والرخاء:
_توفر المدينة على تسعة معامل لتصبير الأسماك مع وفرة اليد العاملة.
_استمرار أأعمال البناء والإنشاء في الميناء.
_تدشين الملعب البلدي.
_مشاركة ألمع فناني تلك الفترة في الأنشطة التي عرضت في السينما الكبير، و من بين هؤلاء المغني المشهور أنطونيو مولينا، و المغني الإسباني الكوبي أنطونيو ماشين المغني.
في فيا سان خورخو وفي المغرب، في الحقيقة، كنا حينئذ، نحن سكان فيا سان خورخو، عبارة عن قطع منفصلة من إسبانيا. قطع وأجزاء من وطننا الأم في المغرب.
بالنسبة لمصارعة الثيران، جلبت الثيران من مزرعة مشهورة لتربية الماشية في إشبيلية، واستقدم إلى المدينة مصارعون من الدرجة الأولى آنذاك. وكذلك الأمر فيما يخص حفلات "الفاياس"، فقد اتسمت بخيال واسع فيما يخص صنع الدمى الممثلة لأهم الشخصيات بالمدينة التي، بعد عرضها لعدة أيام أمام السكان وآرائهم و انتقاداتهم، أحرقت كما كان محددا ليلة 19 من مارس على فرقعة الألعاب النارية الجميلة. كل ذلك، أصبح ذكرى، خاصة بالنسبة لأولئك الذين هم مثلي، كان لنا الحظ الكبير لمعايشتها و تذكرها و إيصالها إلى الآخرين.
كانت فيا سان خورخو مدينة عالمية و بهيجة، تزدحم بالسكان الذين قدموا من مختلف الأقاليم الإسبانية. و قد تكاملت و تمازجت عاداتنا القديمة في هذ الجزء الجميل من الأرض الإفريقية.
كانت الحفلات والأعياد الإسبانية أو المغربية مناسبات لتباهي وافتخار سكان المدينة. ومن الحفلات المشهورة، الأعياد الميلاد الدينية، وملوك الشرق السحرة، ووالقديس يوسف، و العذراء كارمين، و الاحتفالات الشعبية لنهاية السنة، و كرنفالات 18 يوليوز. و يشارك في هذه الحفلات المغاربة و الجالية اليهودية، كما يشركوننا نحن "إروميين"-المسيحيين- في حفلاتهم خلال شهر رمضان وغيرها من الحفلات الإسلامية و اليهودية..
الكاتب هو أحد هؤلاء "الإسبان الريفيين" القلة، الذين شهدوا ثلاثة أجيال من عمر فيا سان خورخو-الحسيمة، فقد كان أجداده، من الأب والأم، من المدنيين الأوائل الذين وصلوا في أواسط ديسمبر1925 إلى هذه الأرض. و قد حملته خطوب الدهر، في مارس1968 إلى الضفة المقابلة حيث "مالقة" الموجودة جغرافيا على بعد بضع كيلومترات. وعلى الرغم من ذلك، فإن الكاتب لا تفصله عن الحسيمة، في الواقع، سوى حدوده النفسية.
كانت، تقريبا، ثلاث وأربعون سنة من التعايش المستمر، وثلاثة أجيال، و ثلاث ثقافات من الحب لأرضنا، ومدينتنا، وأهلنا.
جزء من هذه الروايات الملخصة لتاريخ مدينتي، وصلتني على لسان من هو أكبر مني، و أخرى لحسن الحظ، عشتها، و شاهدتها، و شاركت فيها،...لكي أتمكن من روايتها
منقول للمعرفة