كنت أتوقع أن أنام ساعات طويلة نظراً لإرهاق السفر ولكني نظرت في الساعة فوجدت أنني لم أنَم سوى ساعتين فقط.. حاولت أن أغلق عيني وأحلم على الرغم مني حتى أنام بالفعل ولكن دون جدوى..
سمعت نفس (الخرفشة) فانتفضت من على الأرض شاعراً بأن عدم نومي لن يكون سيئاً إلى هذا الحد.. ارتديت ملابسي على عجل وبداخلي الرهبة المعتادة عند الجلوس في مكان كله غرباء.. نزلت السلالم العمودية أقدِّم رجلاً وأؤخر أخرى حتى هبطت على مكان العمل.. وجدت صديقي جالساً على أحد المكاتب يكتب شيئاً ما.. اتجهت إليه كالغريب الذي وجد ضالته.. لكن استوقفني صوت يقول (أهلاً بيك يا أستاذ).. انتفضت فزعاً للحظة فلم أرَ صاحب العمل حين هبطت.. رسمت على وجهي ابتسامة مستهلكة (الله يخليك يا أستاذي)..
جلست على المقعد المواجه له.. أخذ يخلل صوابعه بين لحيته ناظراً إليّ في نهم غريب.. توقعت أن يقول لي بعد هذا النظر كله (أنا كنت متوقع رشدي أباظة لكن عماد حمدي هو إللي جه).. أخذ يضغط على كل كلمة يقولها (إحنا بنرحب بيك في مركزنا طبعاً ونتمنى تلاقي الراحة معانا).. لم أجد رداً مناسباً غير (إن شاء الله يا فندم) أو yes sir.. أخذ يشرح لي طبيعة العمل وأنا أرد عليه بهذا الرد حتى انتهى فتوقعت أن يقول go go go كأمر لتنفيذ العملية..
كان كلامه جميلاً بالفعل ووقع في نفسي أن هذا الرجل يعي تماماً ما يقول.. من أفضل العبارات التي سمعتها منه (احنا هنا يا أستاذ بنطبق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "أعطِ الأجير حقه قبل أن يجف عرقه").. وجملة أخرى أثلجت صدري (طول ما أنت شغال في مركز الخليج اضمن إن ليك حوافز ومرتبك هيزيد).. كدت أن أنهض من شدة الفرح وأقول (الله أكبر) وأنهال عليه بالقبلات ولكني كتمت سعادتي.. من النادر أن تجد مدير عمل يحترم موظفيه ومن النادر أن تجد من يفي بوعده.. هذا الرجل يعي تماماً ما يقول و (سيماهم على وجوههم).. نهض وعلى وجهه البشر (أسيبك دلوقت تاخد نظرة على المكان وأرجع لك بالليل).. كدت أن أقول (هتوحشني يابابا).. لكنه انصرف بخفة غريبة على الرغم من سنوات عمره الكثيرة..
اتجهت إلى صاحبي وقلبي يرقص فرحاً (أشكرك يا صديقي.. مش هانسى لك الجميل ده).. نظر لي وعلى وجهه ابتسامة غامضة (وفر الكلام الحلو لبعدين واسمعني كويس).. أخذ يشرح لي طبيعة العمل وظروفه ولم أجد أي اختلاف عما قاله صاحب العمل ولكن بعد أن انتهى من كلامه مال عليّ بطريقة توحي بخطورة ما سيقوله (خد بالك إن أنا هنا المدير).. رجع إلى الوراء وهو يراقب رد فعلي.. لم أشعر بأي إحساس بجملته فلم أرد.. تنبه هو لهذا فمال عليّ مرة أخرى (كل شغل هنا بيعدي عليّ الأول وبعدين أنا أوزعه على الموجودين وطبعاً الحسابات في إيدي أنا.. يعني أنت موظف عندي).. قالها ثم انفجر في الضحك (نياهاهاهاهاه).. حدقت في وجهه لحظات ثم ابتسمت على الرغم مني.. هذا الضحك فقط لتخفيف حدة الكلام لكني على يقين بأنه كان يعي تماماً ما يقول..
أخذت الأفكار تنهال على رأسي بالنعال ولم يبعدني عنها سوى دخول أحد الزبائن.. أول مرة تقع عيني على رجل خليجي في الحقيقة فدائماً كنت أراهم في التلفاز.. الجلباب البيض الطويل الذي تلاحظ فيه لمعة محببة إلى النفس.. (العقال) على الرأس يثبته الحلقة السوداء إياها والتي لها ذيلان يصلان على قرب نهاية الظهر.. هذه الهيئة تجعلك تعتقد أن هؤلاء القوم مخلوقون من مادة أخرى غيرنا.. أخذت أرسم في ذهني بعض التغييرات.. ماذا لو أنزلنا هذا العقال من على الرأس فيبدو لنا شعره ثم قمنا بإضافة بعض الغبار على الجلباب ثم سكبنا الكثير من الاكتئاب والحسرة في عينيه.. هل يبدو مثل أي موظف مطحون في مصر.. وهو ذاهب لشراء الفول في الصباح..
نهض صديقي في دبلوماسية ومد يده ليصافح العميل (كيف حالك يا عادل).. رد عليه صديقي ثم أشار لي مقدماً (أحد أصدقائي لسه جاي من مصر هيشتغل معانا هنا).. نظر لي وابتسم ثم مد يده مصافحاً (إيش لونك).. قفزت في ذهني في جزء من اللحظة الأفشات التي كنت أنا وأصدقائي نفعلها ونحن على المقهى..( أحمر).. قلتها ثم أتبعتها ب (نياهاهاهاها)..
اختفت الابتسامة من على وجه العميل ونظر لي كمن ينظر إلى مخبول.. كتمت ضحكتي بسرعة وقام صديقي بتغيير الموضوع بأن أخذ يسأل العميل عن طلبه.. قمت بتركهما ثم اتجت ناحية الباب ومن ورائه نظرت على المنطقة في الخارج الخالية من المارة تقريباً ماعدا بعض السيارات العابرة من حين لآخر.. أشعر أن الأيام القادمة ستكون لا بأس بها إذا ما صرفنا النظر عن كلمة صديقي وصوت (الخرفشة) في مكان النوم والتي لا أعرف مصدرها حتى الآن....