
"مستحيل"!!
تسللت الكلمة مع كل انفعالاتها، من بين شفتي "حسن" وهو يطالع ذلك الفيلم، الذي تم التقاطه للشق الضخم، وغمغم:
- رباه! ماذا يحدث بالضبط؟! "عزت" عند الظهر، ثم هذا الشيء الرهيب؟! ماذا ينتظرنا؟!
أشار إليه المدير، قائلاً:
- الأمران مازالا طي الكتمان والسرية التامة يا "حسن"، والسيد الرئيس اقترح بحث احتمال ارتباطهما ببعضهما البعض على نحو ما... وهو احتمال منطقي ومعقول، لو طبقنا قاعدتنا الذهبية، في عدم الإيمان بتوافق المصادفات.
وصمت لحظة، قبل أن يتابع في توتر:
- المشكلة أننا نفتقر تماماً إلى المعلومات في الحالتين، مما يعجزنا حتى عن إيجاد الرابطة بينهما... كل ما نعلمه هو أن الشق مازال يواصل اتساعه، ومازال الكل يردد أمر ذلك النداء الغامض، الذي تحدث عنه المهندس، الذي ابتلعه الشق و.....
قاطعه "حسن" وجسده ينتفض انفعالاً:
- أي نداء؟!
روى له المدير تفاصيل ما أورده الرائد "يحيى" في تقريره، فاتسعت عينا "حسن" عن آخرهما، وهو يهتف:
- رباه! هذه الرابطة بين الحدثين إذن يا سياده المدير..
لم يكن قد روى لمديره، ما ردده "عزت"، قبل أن يغرق في سبابته، فراح يشرح ما حدث بأدق التفاصيل، وشاركة عندئذ مديره في انفعاله، وهو يقول:
- النداء هو الرابطة بين الحدثين إذن... لقد كان سيادة الرئيس على حق.. الحدثان وقعا معاً، أو أن أحدهما كان السبب في حدوث الآخر، إما أن الشق قد جلب "عزت" إلى عالمنا، أو أن اختراقه لحاجز الزمن، هو الذي صنع ذلك الاضطراب، و...
بتر عبارته بغتة، وانعقد حاجباه في شدة وتوتر، فسأله "حسن" في حذر شديد القلق..
تطلع إليه لحظة في صمت، قبل أن يجيب في حزم:
- لو أن هذا الاحتمال صحيح، فسيعني هذا أنه سيتعين علينا القيام بإجراء يمليه علينا ضميرنا وعملنا.
تسلل الخوف إلى قلب "حسن" وهو يسأل:
- وما هو؟!
شد المدير قامته، وهو يجيب:
- التخلص من مسبب الكارثة.
اتسعت عينا "حسن" في ارتياع، قبل أن يكمل المدير:
- من "عزت شاهين".
وهوى قلب "حسن" بين قدميه....
كالصخر..
تلك الأشياء البشعة تنتشر في كل مكان..
"عزت" لا يجد منها مهرباً..
إنها تطارده..
تحاصره..
تخنقه..
كل شيء من حوله اصطبغ بذلك اللون البرتقالي...
وكان من الضروري أن يهرب...
أن يفر من ذلك المصير البشع..
ولكن تلك الأشياء انقضت عليه من كل صوب..
وها هي ذي تقيد حركته، وتحبس أنفاسه في صدره،
فيختنق...
ويختنق...
ويختنق..
و....
هب من رقاده في عنف، وهو يلهث بشدة، هاتفاً:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم...
انتبه فجأة إلى شخص يجلس على مقربة من فراشه، في صمت وجمود، فسرت في جسده قشعريرة سريعة وهو يهتف:
- من أنت؟!
أتاه صوت صديقه "حسن" يقول:
- إنه أنا.
وامتدت يده تضغط زر الإضاءة، وهو يضيف بابتسامة باهتة:
- هل نمت جيداً؟!
اعتدل "عزت" جالساً على طرف فراشه، وهو يغمغم:
- أظنني نمت لساعة أو يزيد.
أجابه "حسن":
- ثلاث ساعات وست عشرة دقيقة بالضبط..
تمتم "عزت":
أظنني كنت بحاجة إلى هذا.
غمغم "حسن" بدوره:
- بالتأكيد.
ران عليهما الصمت، لما يقرب من دقيقة كاملة، وكلاهما يتطلع إلى الآخر، قبل أن يتساءل "عزت" بغتة:
ما الأمر الثاني؟!
تطلع إليه "حسن" في دهشة، فتابع:
- قلت لي إنه مازال هناك أمران غامضان، أحدهما تلك الفجوة التي سجلها الصندوق الأسود، فما الأمر الثاني؟!
قلب "حسن" شفتيه لحظة، ثم لم يلبث أن مال نحوه، متسائلاً:
- أين ذهبت ذخيرة الطائرة؟!
التقى حاجبا "عزت" وهو يقول:
- المفترض أن يتبقى صاروخ واحد، ومائة رصاصة على الأقل.
هز "حسن" رأسه، قائلاً:
لم يكن بها صاروخ واحد، أو رصاصة واحدة.
ازداد التقاء حاجبي "عزت" وهو يغمغم:
- يا إلهي!
ثم نهض من مكانه، واتجه نحو النافذة، التي أضيفت إليها شبكة من الصلب، وتطلع عبرها متسائلاً:
- أمازلنا في مطار ألماظة؟!
أجابه "حسن" في اقتضاب:
- بلى.
تنهد "عزت" ولاذ بالصمت بضع لحظات أخرى، قبل أن يقول:
هل تعلم ما يعنيه اختفاء الذخيرة؟!
سأله "حسن" في اهتمام:
يهمني أن أعلم.
استدار إليه "عزت" مجيباً بصوت مرتجف:
- يعني أنهم يدرسون أسلحتنا.
حدق "حسن" في وجهه بدهشة عارمة، قبل أن ينهض من مقعده بحركه حادة، ويتجه نحوه، متسائلاً في عصبية:
- من هم يا "عزت"؟! من هم الذين تتحدث عنهم طوال الوقت؟!
تطلع إليه "عزت" في تردد وتوتر، وبدا لحظة أنه سيفرغ كل ما بجعبته، إلا أنه لم يلبث أن هز رأسه في قوة قائلاً:
- لا... لن يمكن أن تستوعب هذا.
قال "حسن" في توتر:
- مادمت تستطيع استيعابه، فماذا يمنعني من هذا؟!
قلب "عزت" كفيه قائلاً:
لست أدري... لست أدري حتى كيف أمكنني أنا استيعابه؟! ربما لأنني رأيت ما لم ترَه، ومررت بما لم تمر به...
أمسك "حسن" بكتفيه، وهو يقول بتوتر زائد:
- صف لي ما رأيته.
هتف "عزت" في مرارة:
- ليتني أستطيع.
ثم أخفى وجهه بكفيه، مستطرداً بلهجة أشبه بالبكاء:
- إنني عاجز حتى عن إيجاد الكلمات المناسبة.. لست أدري كيف يمكنني أن أصف ما شاهدته... لست أدري.
حدق "حسن" في وجهه قائلاً:
- ألم تقل: إنك شاهدت ما يشبه المخ البشري؟!
هتف "عزت":
- في البداية فحسب.
سأله "حسن" في عنف، وكأنما يستحثه على الكلام:
- ثم ماذا؟!
كانت عينا "عزت" محمرتين بشدة، عندما رفعهما إليه وكانتا تحملان مزيجاً من الألم والحزن والخوف والرهبة والذعر، انتقل كله إلى لسانه، عندما قال، بلهجة أقرب إلى الضراعة:
- أرجوك يا "حسن"... أرجوك... لا توقظ ذلك الوحش الرابط في أعماق مخي... أرجوك.
تراجع "حسن" قائلاً في حدة:
- ولكن من الضروري أن أعرف... إنه واجبي.
عض شفتيه في ألم ومرارة، وهو يحاول تنظيم أفكاره، وإزاحة حزن الدنيا كله عن كاهله، قبل أن يهتف:
- إنك تدرك مدى أهمية أن نعرف ما لديك... لا تدرك أننا نواجه خطراً رهيباً... خطراً بمثابة...
قاطعه "عزت" في حزن رهيب:
- شق في أرض مصر يتسع في سرعة حتى يكاد يلتهمها عن آخرها.
استدار إليه "حسن" بحركة أشبه بالإعصار، وهو يهتف ذاهلاً:
- كيف عرفت؟!
هز "عزت" رأسه في انهيار وهو يغمغم:
- صدقني... أنا أتمنى معرفة جواب السؤال نفسه.
ثم رفع عينيه الدامعتين إلى "حسن" مستطرداً:
- أريد أن أعرف كيف عرفت؟! كيف؟! هل زرعوا كل هذا في عقلي، أم....
بتر عبارته بغتة، واتسعت عيناه عن آخرهما، وبدا وكأنه يحدق في كيان مبهم خفي، قبل أن يصرخ:
- يا إلهى، إنهم يتحركون أسرع مما ينبغي... ذلك الشق سيلتهم كل شيء في غضون ساعات قليلة.
واستدار بجسده كله، يشير إلى النافذة مستطرداً:
- قبيل الفجر.
وانتفض جسد "حسن" كله في عنف..
وحدق بدوره في النافذة، وعقله يكرر في أعماقه تلك الكلمات بلا انقطاع...
النهاية آتية لا ريب...
قبل الفجر.
http://www.boswtol.com/affareet/naction_146_02.html
* *