في ظلال الحياة الزوجية
--------------------------------------------------------------------------------
كم هي جميلة ورائعة الحياة الزوجية في ظلال الإسلام ؛ أساسها المحبة والوئام ، وعنوانها التراحم والانسجام ، فالحياة الزوجية في ظلال الإسلام ليست متعة جسد ولذة ، وإِعفافَ نفسٍ-فَحَسْبُ- وشهوة ، أو أُنْساً ومُتْعة ؛ بل هي أكبر من ذلك بكثير. هي بذلٌ وعطاء ، ومُشاركةٌ في البناء والنماء ، هي أحاسيس متبادلة ، وأفكار مشتركة ، صاغها الارتباط الوثيق ، والحب المتبادل العميق ؛ فأثمرت تبادُلاً في الشعور والمشاعر ،ومُراعاةَ كُلٍّ من الطرفين للضمائِرِ والخواطر ، مشاركةٌ في الأفراحِ والأتراح ، وقراءةٌ لما في النفوسِ من بواعِثِ الحزن والأسى ؛ ودواعي الفرح والانشراح .
وما أعظم وأروع التعبير القرآني البليغ ؛ يوم عبر عن هذا المعنى بأبلغِ تعبير، فشبّهَ الحياة الزوجية بالسكن تهفو إليه النفوس ، وترتاح في رحابه القلوب ، وجعله بالنسبة للزوجين محط الأنظار ، وملتقى الأزهار ، ومَوْئِلاً تبوح فيه القلوب بالأسرار [ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون].
كم هو جميل ذلك التعبير القرآني اللطيف الرقيق ؛ وهو يصور هذه العلاقة تصويرا موحيا ، وكأنما يلتقط الصورة من أعماق القلب وأغوار الحس ؛ فَيُشَبِّهُ الحياة الزوجية باللباس في الملاءمة والمواءمة ، والانسجام مع الجسد والتوافق ، ومراعاة ظروف الأمكنة والأزمنة والأحوال ، فالثوب في الصيف خفيف على صاحبه كي لا يؤذي ، ثقيل في الشتاء ؛ من البرد والصقيع يحمي [ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ] وهكذا هي الحياة الزوجية ؛ توافق بين الزوجين وانسجام ، ومراعاةُ كُلٍّ منهما للطرف الآخر ، فهمٌ للنفسيات ، وقراءةٌ لما في ذهن الآخر من المتطلبات والمعطيات ، سكنٌ ومودة ، رحمةٌ ومحبة؛ تبعث على إطالةِ الفكر ، وإِجالَةِ النظرِ ؛ في عظمة الخالق الذي أوجد ذلك التوافق والانسجام
[ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ].
فما أعظم أن تنظر المرأة إلى تلكم التوجيهات العطرة، والنصائح العبقة ؛ في حق الزوج عليها ، وعظيم مكانته في حياتها ،- فهو من نَبَضَ قلبهُُ لها بالحبِّ المزيدِ الأكِيد ، وسكنت جوارِحُهُ إليها بعد عناءِ يومٍ بالعملِ شديد- .
[انظري أين أنت منه ، فإنما هو جنتك ونارك ] ، [ نساؤكم من أهل الجنة الودود الولود العئود على زوجها ، التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها وتقول : لا أذوق غُمضا حتى ترضى ] ، [لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لِمَا عظَّم الله عليها من حقه ] ، [ إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت فرجها ، وأطاعت زوجها ؛ قيل لها : ادخلي من أي أبواب الجنة شئت ] ، [ أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة ] ، [ -خير النساء- التي تسره إذا نظر ، وتطيعه إذا أمر ، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله]...الخ .
فَتُسَابِقَ بعد ذلك إلى طاعته ، وتُهرَعَ إلى نيلِ رضاهُ ومحبته ، وتزداد لطافة وبشاشة في وجهه .
وأجمل من ذلك أن يلحظ الزوج ذلكم الكم الهائل من التوجيهات الرائعة ، والتلميحات والإرشادات الرَّائِقَة ؛ تُوَجِّهُهُ وتحُثُّهُ إلى حفظ حق زوجته ، ومراعاة مكانتها وأهميتها في قلبه ، -فهي الجوهرة المصونة ، والدرة المكنونة - ، أمُّ الرجال ، ومَنْبِتُ الأبطال ومدرَسَةُ الأجيال-. [ وعاشروهن بالمعروف ] ، [ اتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ] ، [ استوصوا بالنساء خيرا ] ، [ إني أُحرِّجُ عليكم حق الضعيفين : اليتيم والمرأة ] ، [ أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، وخياركم خياركم لنسائهم ]...الخ.
يمشي بعدها الزوج بِخُطًى مُسْرِعَةٍٍ مِلْؤُها الحب – لزوجته- والتقدير ، والرعاية والتوقير ؛ إلى خدمتها ورعايتها، ومشاركتها الحياة حُلْوَها ومُرَّها .
ساعتئذ تضمحِلُّ غريزة وشهوة الأنانية في حياتهما، وتتلاشى نزعة الفوارق الفردية في عملهما وتوجهاتهما ، ويُنْكِرُ كل منهما ذاته لإسعاد الآخر ، فتسعد الأمة بمحبتهما ، وتبْتهِجُ بنتاجهما وثمرتهما من الأولاد والبنين .
ومن صور التراحم والمودة التي تتجلى فيها معاني المشاركة والتعاون ، وبذل النفس للطرف الآخر بكل صدق واعتزاز ، ومحبة وافتخار ؛ مسألة خدمة المرأة لزوجها ، - وبعيدا عن الجدل العلمي ، والطرح الفقهي في هذه المسألة -؛ يتجلى لنا المشاركة في الهم والشعور ، وإنكار الذات والترفع عن الترهات في سبيل التوافق مع الآخر وإسعاده ، من غير شعور من أحد الطرفين بالنقص في ذلك ، ولا إحساس تحكُّمِ طرف في طرف ، ولا بفرد عضلات طرف على آخر.
ولنعش مع هذين الموقفين لواقع بيتين من بيوتِ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نلحظ فيهما المراد :
الموقف الأول : خبر أسماء بنت الصديق وزوجها الزبير. تقول أسماء رضي الله عنها :
[ تزوجني الزبير ومالَهُ في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء ، غير ناضح – أي إبل يحضرون عليها الماء – وغير فرسه فكنت أعلف فرسه ، وأستقي الماء وأخْرِزُ غَرْبَهْ – الغرب هو الدلو الكبير كانت تخيطه إذا انقطع – وأعجن ولم أكن أحسن أخبز ، وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق ، وكنت أنقل النَّوَى من أرضِ الزبير- التي أقطعه –أي أعطاه – رسول الله صلى الله عليه وسلم – على رأسي وهي مني على ثلث فرسخ فجئت يوما والنوى على رأسي ، فلقِيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار ، فدعاني ثم قال : [ أخ أخ ] – أي للناقة – ليحملني خلفه ، فاسْتَحْيَيْتُ أن أسيرَ مع الرجال ، وذكرتُ الزبيرَ وغيرته وكان أغير الناس ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى ، فجئت الزبير فقلت : لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ، ومعه نفر من أصحابه ، فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك ، فقال : والله لَحَمْلُكِ النَّوى كانَ أَشَدَّ عَلَيَّ من رُكُوبِكِ معه ، قالت : حتى أرسل إِلَيَّ أبوبكر- والدها - بعد ذلك بخادم يكفيني سِياسَةَ الفرس فكَأَنَّمَا أعتَقَنِي].أخرجه البخاري ومسلم .
فهذا خبر يتجلى فيه مشاركة كل من الزوجين الآخر في الهموم والأعباء ، فهذه أسماء رضي الله عنها تخدم زوجها بأعمال ربما –يراها الناظر- تخدش لطافة أنوثتها ، وتذهب ببريق نضارتها وحيويتها ،- يظهر ذلك واضحا جليا من قولها بعد أن أهدى إليها والدها بخادم : فكأنما أعتقني من سياسة الفرس _ لكنها رضي الله عنها وأرضاها يهون ذلك عليها ، بل وتستعذب مشقته وصعوبته ؛ يوم ترى من نفسها عنصرا فاعلا ، وفردا مُساهما في البناء والنماء ، يعلم بانشغال الزوج في الجهاد في سبيل الله ، لحفظ بيضة ودولة الإسلام الناشئة مع رسول الله . ونَكْتَةٌ- أي إشارة- أخرى لطيفة ، تتجلى في مراعاتها رضي الله عنها وأرضاها لنفسية زوجها الغيورة ، فتأبى الركوب مع أشرف الخلق لأجل ذلك ، _ أَيُّ محبة تدعو لمثل هذا التوافق والتناغم؟!-
وأروع من ذلك موقف زوجها الزبير الذي يبادلها المشاركة في المشاعر بقوله :[ والله لَحَمْلُكِ النَّوى كانَ أَشَدَّ عَلَيَّ من رُكُوبِكِ معه] ، فكأنما عَظُمَ عليه معاناة زوجته ، وطول الطريق عليها والمشقة ، فنطق لسانه بحال قلبه مُخبِراً بشعورِ القلب ، ومُشاركة الوُجدان ، ولولا الانشغال وضيق ذات اليد ؛ لكان الحال إعانة وخدمة ومشاركة .
الموقف الثاني : خبر فاطمة وعلي رضي الله عنهما ، يقول علي رضي الله عنه : جرَّت فاطمة بالرحى حتى أثَّر في يدها ، واستقت بالقربة حتى أثر في نحرها ، وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم خَدَمٌ ، فقلت : لو أتيت أباك فسألتيه خادما ! فأتته ، [- وفي رواية أحمد قالت : فانطلِقْ معي ، قال-علي- : فانطَلَقْتُ معها ] ، [ وفي رواية لأحمد أخرى : فأتَينَا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ –أي علي- يا رسول الله : اشتكت إليَّ فاطمة مُجْلَ يديها من الطحن وتسألك خادما ...] – فأتته فلم تجده ، فأخبرت عائشة بما تريد ، فلما عاد أخبرته عائشة بأمرها ،- وفي رواية : أنها عادت فأتاها من الغد ، فقال : [ ما كان حاجتك ؟ ] فسكتت ، فقلتُ – أي علي - : أنا أحدثك يا رسول الله ! جرَّت بالرَّحى حتى أثَّرت في يدها ، وحملت بالقربة حتى أثرت في نحرها ، فلمّا أن جاءك الخدَمُ أمرتُهَا أن تأتِيَكَ فتستَخْدِمَكَ خادما يقيها حر ما هي فيه .- وفي رواية : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهُمَا بعد أن أخبرته عائشة بالخبر فرآهما مضطجعين ، فقال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم ، إذا أخذتما مضاجعكما – أي أويتما إلى فراشكما – فسبحا ثلاثا وثلاثين ، واحمدا ثلاثا وثلاثين ، وكبرا أربعا وثلاثين ، فهو خير لكما من خادم ] . [ رواه أبوداود وأحمد بروايات مختلفة وأصله عند البخاري ومسلم ].
فهذه القصة على اختلاف رواياتها وتنوع ألفاظها تُوصِلُنَا إلى المقصودِ والمُراد ، فها هي ذي فاطمة رضي الله عنها تستعذب العملَ مُراعاةً لزوجِها ، وتقربا من ربها وتعبدا له ، وها هو علي رضي الله عنه وأرضاه يلحظ ما تكابده فاطمة من تعب ومشقة ؛ فيبادر إلى إيجاد خادم لها يعينها على ما هي فيه ،- ولولا ضيق ذات اليد وحياؤه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسأل الخادم بنفسه لها ، وأعجب من ذلك صمتها عند مجيء أبيها ، وإنكارها لذاتها ، وهضمها لحقها ، وما انبراء علي في بيان الأمر إلا مقابلة منه لإحسان فاطمة بالإحسان ، ومبادلة للشعور والوجدان ، ولا عجب أن يجعل الإمام البخاري هذا الحديث في باب مناقب علي رضي الله عنه وأرضاه .
لقد تنامت روح المشاركة والتعاون بين الأزواج في بُيُوتَاتِ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فتجلى ذلك واضحا من قيام الصحابيات بأعمالَ وأعباءَ تعجز عنها المرأةُ المعاصرةُ اليوم ؛ من سياسة الخيل وإطعامِها ، والطحن على الرحى والاحتطاب ، وتسابقت أمهات المؤمنين- أطهر النساء وأشرفهن- على خدمة بيت رسول الله - كل ذلك طاعة لله ، ومحبة في ثوابه ورضاه ، وبادلهم الرجال المشاركة والشعور ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبر عائشة عن حاله في بيته فتقول : [ يكون في مهنة- خدمة أهله- ، فإذا سمع الأذان خرج ] أخرجه البخاري ، وقالت مرة:
[ كان يخِيطُ ثوبَه ، ويخصِفُ نعله ، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم ] أخرجه أحمد ، وقالت مرة أخرى : [ كان بشرا من البشر ، يَفْلِي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه ] أخرجه أحمد .
ومن روائع ما تحكيه كتب السير عن هذا التناغم والتعاون ؛ أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – كان يعجِنُ الطين بقدميه ليبني بيته ، وبجانبه زوجته كاشفة شعرها ، فبينما هما كذلك ؛ إذْ دخلت عليهِما جارةٌَ لهما فقالت مندهشة : كيف تتكشفين أمام هذا الخادم؟! فقالت فاطمة : هذا ليس بخادم ؛ هذا زوجي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.
[ حلية الأولياء –سيرة عمر بن عبد العزيز ]
هذا عمر بن عبد العزيز الذي قاسمته فاطمة بنت عبد الملك الحياة ، فبعد العز والمال ، إلى شظف العيش والزهادة ، حتى دخل عليها ذات يوم وهي تُرَقِّعُ ثوبا لها – وكلها سعادة غامرة-.
فما أجمل أن يلحظ الزوج زوجته العاملة في هذه الأيام ، فيبادلها الشعور والمحبة ، ويساعدها في أعباء الحياة بتوفير خادمة تعينها على أمور المنزل ؛ سيما إذا كبرت العائلة وازدادت الأعباء ، -كل ذلك من غير إغفال للضوابط الشرعية في هذا الباب - ، وجميل بالمرأة أن تراعي زوجها في هذا الأمر ، وتعينه على أعباء الحياة ؛ قربة لله ، ومحبة في ثوابه ورضاه – مبتعدة عن مماثلة الغير في الترفه المصطنع ، غير مفرِّقة لما هو حاجة أو ترف – ولا تكلِّف زوجها ما هو فوق الطاقة والوسع.
وأخيرا فهذه دعوة لتوزيع وتقاسم الأدوار ، وتبادل المشاعر ، والتعامل بلغة القلوب
[ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون].