ذكر شهود عيان الذين فجروا قضية التجسس لصالح اسرائيل الأخيرة تفاصيل مثيرة وتحمل السطور التالية نص أقوالهم.
في السادسة مساء يوم 3 نوفمبر عام 2002، حضر ياسر حمدان «48 سنة - عراقي الجنسية» إلي مقر القنصلية المصرية في تركيا، تقابل مع المختصين، وأكد أنه يحمل أمراً خطيراً، داخل غرفة بالقنصلية قال: قبل شهر و10 أيام تقريباً، كنت أجلس علي أحد المقاهي بمدينة أنقرة-حسبما ذكرت المصري اليوم.
وكان يجلس إلي جواري عدد كبير من العرب والأتراك، فوجئت بأحد الأشخاص تبدو ملامحه ولهجته أنه مصري الجنسية، ألقي علي السلام، وسأل عن أقرب مسجد في المنطقة، أخبرته عن مكان المسجد، ولكنه وقف أمامي يردد: «لازم يكون فيه عدد أكبر من المساجد»، نظرت إليه قائلاً: «إحنا بس نملا المساجد الموجودة.. وبعدين ندور علي الزيادة».
وأكمل الشاهد: جلس الشاب المصري إلي جواري، ودار حديث بيننا بعد أن عرفت أنه مصري، وحدثني عن نفسه واسمه محمد العطار، ومشاكله مع أسرته في القاهرة، وانفصال والديه قبل سنوات، وأنه حضر إلي تركيا للبحث عن عمل ليبدأ حياته مثل أي شاب مصري.
تبادلت معه الحوار، وحكيت له بعض التفاصيل والمشاكل التي تواجهني، وهي رغبة أبنائي في العودة إلي العراق، ومشاكل نقل دراستهم، التي تتطلب أموالاً كثيرة. استمر اللقاء بيننا لمدة ساعة و5 دقائق تقريباً، وانتهي الحوار بالسلام علي ووعد بالمقابلة في نفس المقهي في اليوم التالي.
تعددت اللقاءات بيننا، وبعد أسبوعين تقريباً، أثناء وجودي في أحد البنوك التركية، فوجئت بشخص ملامحه أجنبيه، عرض علي مساعدتي في إنهاء إجراءات نقل الأبناء بدون مقابل، وأكد أنه علي علاقة بمسؤول كبير بتركيا، يستطيع إنهاء تلك الإجراءات. اندهشت من معرفة هذا الشخص بتلك التفاصيل في حياتي الشخصية، عرفني بنفسه،
وقال: إنه يدعي «جوي» تركي الجنسية، وعلمت بالمصادفة أنه يحمل الجنسية الإسرائيلية، أخذ رقم تليفوني المحمول، وقرر أنه سيتصل بي لإنهاء إجراءاتي، وطلب استمرار علاقتنا معاً، وكل منا يساعد الآخر لحل مشاكله، ولم استرح لكلمات هذا الشخص، أثناء حديثه معي في الهاتف، شعرت وكأنه يريد أن يعرف معلومات ويسأل كثيراً، حتي شاهدته يتردد علي السفارة الإسرائيلية. عدت بذاكرتي إلي الخلف،
وتذكرت أن تلك التفاصيل الشخصية لم أتحدث بها لغير الشاب المصري «محمد العطار» الذي قابلته علي المقهي، وبعد يومين قابلته - محمد - علي نفس المقهي،
وطلبت الحديث معه، ولكنه كان يحاول الانصراف، سألته: أنت تعرف واحد إسرائيلي يدعي «جوي»، رد بانفعال: «أنا لا أعرف إسرائيليين». وانصرف متعصباً، وقتها تأكدت أن هذا الشاب المصري يحمل أسراراً خطيرة، فقررت أن أخطر عنه جهاز الأمن المصري.
وفي نهاية أقواله أرشد الشاهد عن أوصاف الشاب المصري: اسمه «محمد العطار»، من القاهرة، والده طيار، وله شقيق يعمل بالجهاز الأمني المصري.
أخبرت القنصلية المصرية جهاز المخابرات في مصر، بتفاصيل ما جاء في أقوال العراقي، سافر فريق من جهاز المخابرات إلي تركيا، لعمل تحرياتهم اللازمة حول هذا الشاب، وتم التوصل إلي المتهم «محمد العطار»، ورصد تحركاته، وبعد مرور 3 أشهر تقريباً، استدعت الأجهزة الأمنية الشاهد العراقي، وقدمت له بعض الصور التي تم التقاطها للمتهم، وتعرف عليه الشاهد بأنه هو الشاب المقصود.
وفي منتصف شهر أبريل في عام 2003، حضر إلي مقر مباحث أمن الدولة بالقاهرة شاب يدعي «علي عبدالهادي»، قرر أنه كان قد حضر قبل أسبوع إلي القاهرة لزيارة أسرته، قادماً من تركيا، جاء إلي مقر المباحث للإبلاغ عن تردد شاب مصري لا يعرف اسمه علي مقر السفارة الإسرائيلية باسطنبول في تركيا.
قال الشاهد الثاني في بلاغه: أعمل بمكان قريب في الشارع الذي تقع به السفارة الإسرائيلية، شاهدت شاباً مصرياً في العقد الثاني من العمر تقريباً، يدخل ويخرج من السفارة الإسرائيلية، ويسير بصحبة فتاة تبدو ملامحها إسرائيلية، شاهدتهما أكثر من 10 مرات معاً،
وأرشد الشاهد عن أوصاف الشاب، شعره طويل، يغير لونه، يرتدي سلسلة ذهبية وبنطلون «جينز» قصيراً، عرض جهاز المخابرات بعض الصور التي تم التقاطها للمتهم «محمد العطار» علي الشاهد الثاني، فقرر للوهلة الأولي أنه هو الشاب المقصود، ووقع الشاهد علي أقواله وانصرف.
وبعد مرور أيام أخري تلقي جهاز الأمن المصري، إخطاراً من الضباط الذين تولوا مراقبة المتهم في تركيا وكندا، أكدوا فيه أن مواطناً مصرياً يدعي محمد حسن تميمي يعمل في أحد المطاعم بمدينة «فان كوفر» الكندية، حضر إلي مقر القنصلية المصرية، وأبلغ أنه شاهد شاباً مصرياً يدعي «جوزيف» مسيحي الديانة يجلس كثيراً وسط المصريين والعرب علي المقاهي بمدينة «فان كوفر» لساعات طويلة، ويتحدث معهم في مشاكلهم ويعرض حلها عن طريق بعض الوسطاء، دون أن يدفع أحد منهم جنيهاً واحداً.
وأضاف الشاهد: لم يعرف أحد من المصريين أو العرب الذين كانوا يجلسون مع هذا الشاب، ماذا يعمل في كندا، ومن هم الوسطاء الذين يستطيعون إنهاء مشاكلهم دون مقابل، وكيف يعقل ذلك! لم يصدق أحد ما كان يقوله الشاب، ولا أعرف إن كان قد نجح في إقناع أحد من المصريين أو العرب أم لا، حتي شاهدته في أحد الأيام يدخل إلي السفارة الإسرائيلية وبصحبته فتاة إسرائيلية، ويتحدث في هاتفه المحمول مع أشخاص مجهولين، وبعرض الصور علي الشاهد، أكد أنه هو الشاب نفسه الذي شاهده.
بعد إلقاء القبض علي المتهم صباح يوم 2 يناير الماضي، واصطحابه إلي مقر مباحث أمن الدولة، وتسجيل اعترافاته الكاملة، التي نشرتها «المصري اليوم» بعدد أمس، استدعي المستشار هاني حمودة رئيس نيابة أمن الدولة العليا، الشاهدين المصريين، حضرا إلي مقر نيابة أمن الدولة، ودخل كل منهما بمفرده إلي غرفة التحقيقات، وبعرض المتهم عليهما، أكدا أنه هو الشاب الذي شاهداه في تركيا وكندا، وتردد علي السفارة الإسرائيلية واعترف بصحبته الفتاة الإسرائيلية.