لئن سرق المحتل الأرض فقد حفظناها بأدوات صنعناها من طينها، ولئن اقتلع أشجار الزيتون فمنها نحتُّ جمادات تسري روح الوطن "فلسطين" في أوصالها، ولئن حرص المحتل على تمزيق ثوب الهوية الفلسطينية، فقد استمر الفلسطيني ينسج أثوابه مطرزة بخارطة الوطن.
هذا هو لسان حال الحِرف الفلسطينية القديمة التي تقاوم النسيان والموت والاحتلال في آن واحد، فـ" الثوب الفلسطيني المطرز.. الزبدية.. قبة الصخرة المشرفة الخشبية".. صناعات فلسطينية أضحى من الصعب العثور عليها في الأسواق الفلسطينية بعدما أصبحت عملة نادرة لا يتداولها إلا السياح والأجانب الوافدون على الأراضي المحتلة، فلم يبق من صناعها إلا القليل الذين يواجهون الاحتلال والنسيان معا، وقد ورَّثوا أبناءهم حرفهم للتاريخ لا للعمل فقط.
كلٌّ يموت بالضرب إلا…
ففي حي الدرج أحد الأحياء القديمة بمدينة غزة، وببطء شديد وحذر أشد حاولنا دخول الباب الصغير المؤدي إلى ممر ضيق أسفل المنزل لنصل إلى المعمل، حيث الإضاءة الباهتة والأواني الفخارية في كافة الأطوار تملأ المكان، وفي وسطه بركة كبيرة مملوءة بالطين، وحاجز في منتصفها يفصل بين محتوييها، بينما شابان صغيران يغوصان بأقدامهما ينقل أحدهما الطين بجردل إلى غربال يُمسك به الثاني في الجزء الآخر من البركة ويلقي ما علق به من شوائب خارج البركة، يعملان بهمة ونشاط، وقد زينت وجهيهما ابتسامة عريضة.
وفي الجهة المقابلة خطف أبصارنا رجل في الخمسين من عمره، هو
الحاج أبو سلمان عطا الله، كان يتفنن في صناعته وهو متربع على آلة تدور رحاها أفقيا لتدير رأسا معدنيا صغيرا يضع الطين عليه لينقلب إلى إناء جميل وبأشكال مختلفة.
ويقول
الحاج أبو سلمان: "بفضل الله ومنته أن طين غزة خالٍ من المعادن، فنحن نحضره ثم نلقي به في بركة ماء حتى يصبح كالمستحلب (خليط متجانس)، ثم ننقيه من الشوائب والأحجار وما علق به من جذور النباتات بواسطة الغربال بالطريقة اليدوية، لينقل إلى مكان بالخارج، بعيداً عن حرارة الشمس حتى يجف". وأضاف
عطا الله: "لكن الطين كالعجين يجب أن يضرب ببعضه البعض، وقد قيل قديما: كل شيء يمكن أن يموت مع الضرب إلا الطين فإنه يطيب".
توريث الصنعة للأحفاد

وأكمل عطا الله وهو يحرك الطين بين أنامله بخفة ويحوله إلى إناء يتغير شكله وفق حركة أصابعه: نقطع كومة الطين المضروب إلى قطع عمودية الشكل قطرها 7سم وطولها 20سم، ثم نأخذ من هذا العمود قطعة حسب نوع الإناء الذي أرغب في صناعته والذي أتحكم في سعته حسب حركة أصابعي.
وأكد عطا الله أن سر مهنته يكمن في حركة أنامله التي لا يستطيع أن يتقنها إلا صانع ماهر ومتمرس؛ لأن أي حركة بسيطة قد تشوه شكل الطين.
ثم توضع هذه الأواني الطينية في الهواء الطلق لتجف لمدة أسبوع تقريبا قبل أن توضع للشواء في الفرن لأسبوع آخر ترتفع درجة حرارته تدريجيا حتى تصل إلى 900 درجة مئوية، مشيرًا إلى أنه إذا ارتفعت أكثر من ذلك فسيتكسر الفخار ويتحول إلى هشيم.
يُذكر أن
عطا الله ورِث هذه المهنة عن آبائه وأجداده، وحرص أن يتقن جميع أولاده هذه المهنة حتى لا تُنسى مع الزمن رغم قناعته بأن أيًّا منهم لن يتخذ صناعة الفخار مهنة له، بل عليهم أن يطرقوا باب العلم، وإنما عليهم إتقان هذه الحرفة حفظا للتاريخ.
ورغم أن جميع الأواني الفخارية تُصنع من طين واحد فإن منها الأبيض والأسود والأحمر الطوبي. وحول سر ألوانها يوضح عطا الله: الطين لا يحتاج إلى أصباغ لكي يلوَّن حتى يبقى صحيا للطهو والاستعمال المنزلي، فقليل من ملح الطعام على الطين قبل عجنه يحوله إلى اللون الأبيض في الفرن. أما اللون الأسود فنتحكم به وفق الدخان المنبعث من نيران الفرن، حيث نغلق فتحة إخراج الدخان حتى يملأ مسام الفخار ويُكسبه اللون الأسود. أما الأواني الحمراء فاللون الأحمر هو اللون الطبيعي للطين.
"اضرب على الفخار يبان عيبه".. بهذا المثل بيَّن
عطا الله كيف تعرف جودة الأواني الفخارية، مؤكدًا أن ضربات خفيفة على الإناء كفيلة أن يتبين من رنينها جودته وفجوات مادته التي يمكن أن تكون عرضة للكسر.
من فات قديمه تاه
لا شك أنه مع تطور المجتمع والصناعة طرأت بعض التغييرات على طريقة صناعة الفخار. وحول هذا يبين
عطا الله أن التطورات التي طرأت على مهنته لا تكاد تذكر، حيث ما زال ينقى الطين بنفس الطريقة القديمة، ويشكل بحركة اليد التي ورثها عن أجداده، غير أن قرص الدولاب كان يدار بحركة الأقدام ويضرب الطين يدويا، أما اليوم فتستخدم الآلة الكهربائية لذلك.
يُشار إلى أن قطاع غزة كان يحوي ما يزيد عن خمسين فخورة (الفخورة هي مصنع الفخار)، ولكن جميعها تلاشى غير أربعة منها فقط، وهجر أصحابها مهنتهم، بينما يعمل ما تبقى منها على صناعة بعض الأواني البسيطة التي ما زال أهل قطاع غزة يستعملونها إلى اليوم مثل الزبدية التي تستعمل لصناعة السلاطات الفلسطينية، وهي أكبر من الصحن قليلا، يبلغ قطر قاعها 10سم، وقطر فوهتها 25سم تقريبا، بالإضافة إلى "القِدر" وله شكل مفلطح معروف، قطره ما بين 30-45 سم، يطبخ فيه الأرز في المناسبات الفلسطينية.
أما الأواني الفخارية الأخرى مثل "الزير والقوار والقلة" فتلون وترسم عليها النقوش الفلسطينية أو قبة الصخرة المشرفة لتزيين المنازل
