اهــــــــــــــــداء : الى امي الوطن ... الى الحبيبة الجزائر... في عيد استقلالها اليوم
45 سنة ... لتحيي بسلام ورحمة الله على شهدائنا الابرار
كم مرة زجر بالبحر نظرة حادة اعقبتني الف حسرة ... كان دوما يتلاعب بذرات
الرمل .. ثم ينهض ونظراته صوب البحر حتى ينتهي الى صخرة فيجلس عليها ... حيرتني نظرات
الاحتقار التي يرسمها كالسهام تمزق الاجساد .. حاولت مرارا ان افسر مجيئه الى هذا المكان رغم
كبر سنه ... وكان لا يفارقه حتى يرسل الليل خيوط ردائه الاسود
رايته ذات مرة كعادته جالسا فوق الصخرة .. جاثما كالتمثال لا يحرك ساكنا .. والريح
تلاعب عباءته البيضاء ..كانت حينها ظلال الصخور قد استطالت على الشاطئ والموج يركض
غاضبا .. صافعا الصخر باستمرار وبلا شفقة .. ثم يعود الى مكانه مرة اخرى .. والشمس انزلقت
وراء الغيوم معانقة المغيب والطيور بادرت بالرحيل الى اوكارها لتنام .. مصفقة باجنحتها .. تائهة
في فضاء الله الواسع يوحي لك المنظر الى شيئ من القنوط واليأس ..؟؟
اقتربت من الشيخ .. جلست بجانبه .. بادرته بالحديث وانا ارتعش .. : ما اجمل البحر وما
اروع منظره عند الغروب ..؟؟ .. اخرج منديله .. مسح به قطرات الموج المصطدم بالصخر والتي
بللت وجهه .. واشتعلت نظرات الغضب في عينيه ليقول ..: كلا .. ما هو بجميل ابدا.. منظره الرائع
ما هو الا زيف للحقيقة ..؟؟
دفعتني اللهفة والفضول لاساله ..: كيف ذلك .. فالجميع يحبه ..؟؟
قال : لا انكر ذلك .. ولكنه اقبح مما تتصور .. لنعود الى سنين مضت كان فيها البحر هادئا
يموج على الساحل .. يقتحم الارض الممتدة حوله في احتضان وعناق .. يذيب حبيبات الرمال الهشة
في اعماقه .. كل الانهار تصب فيه وماهو بملآن ابدا... لم اره ينبش الارض الا ووجهه مشرق
سحنة الافاق يتلوى ببطء على ايقاعات غافية .. يتشكل لونه من زرقة تسبي العيون بومضات مذهبة
جميلة .. لكن قرر القدر ان يعصر العين بدمعة .. وبصرخة من الشفاه كان هذا البحر في سنة
1830م .. قد بلل ماؤه سفنا واساطيل املت ان تحمل زاده وخيراته .. وتدوس ارضه بصهد
الجمرات المشتعلة .. قاوم من يحلم بالنور نيران المقبل .. بجسد تصلبت فيه العروبة
وباقدام من طين انغرس في أم الارض .. بعدها دوت المدافع ساخنة على صدور الاهالي ..
يبس الطين في الارض .. وطرق باب التحدي فاشتعلت قمم الثبات والعيون الدامعة تنظر المعركة ..
الايام تمر .. الفم بدياجير الغيب يتساءل عن المصير .. المستدمر كثعبان ينتشي على الساحل .. آمال
الاهالي خارت.. دفنت السيقان الطينية في ساحل البحر .. والشيخ الواهن امامك الان يرى بأم عينيه
تراكم الاجساد وماواطئ الاقدام .. انها البداية في تلك الساعة .. والاتية حقيقة مرة قاسية .. انظر
اليه .. تعمق فيه تدرك مقدار شراسته .. فكم بريئ غرق فيه دون ان يؤذيه .. وكم سفينة ابتلعها
دون رحمة .. انظر ركود امواجه على الشاطئ كانها تسجد لله في خشوع .. انظر زرقته التي باتت
عند الكثيرين رمزا للسلام والامان وما هي الا وجه مزيف يغري به الجميع .. ارجوك لا تحاول اقناعي
بانه جميل .. لا تحاول ذلك ... ؟؟
ارسلت نظرات نحو البحر واسراب الاسئلة كالنشاب تطعن فكري ..والتفت الى الشيخ
لاساله .. فاذ بي اجد المكان خاليا الا مني والبحر والاسئلة المبهمة وعدت ادراجي من حيث اتيت
والصبر يغلي في شراييني لطلوع الفجر ..وعند طلوعه سارعت الى الصخرة ولكن دون جدوى ..
تكررت زيارتي للمكان الموحش ولا فائدة .. حينها ادركت ان ذلك الشيخ ما كان سوى طيفا من
التاريخ .. زار البحر معاتبا اياه .. ليذكرني بذكرى اندثرت لاعوام واعوام .. كان الشيخ بيده
الممدودة على فراش النهاية يدغدغ باصابعه ملامح هذا البحر .. يحلم ان ينمو في حنايا قلبه
الوطن ..وكبر جرحه وهو يضمد قلبه على الذي اغتصب الحرية وسجن البحر الكبير في قمقم.. حلم
ان ياتي يوم تشرق فيه زينة البحر ويحمل اقدامه في اشكال متناسقة ويثور على مواطئ اقدام الذين
يرتدون بدلات خضراء منمشة .. كان حلمه كبيرا في عيش ضيق .. توسل بنظرة العطش الى الارض
الحنون .. ان يسلم العهدة لعنق آخر .. ياوي بين ذراعيه الارض والبحر .. ويثمر حبا لهذا الوطن
الغالي .. يشمر عن ساعديه ويحمل الفأس .. يزرع الاخضرار ويرمي الشبكة في البحر تحت
الشمس الولهى ويسحبها مملوءة بكنوزه ومآكله
كان حلما أزرقا زرقة البحر والسماء .. وزرقة القلب من أيام غابرة قديمة
لهذا التراب