بحثا تفاصيل الزواج واختارا سريرا من النحاس آية فى جمال الصنعة.. و"حليم" طلب من وجدي الحكيم شحنه إلى شقة الزمالك.. قبل أن يخبره حزينا: "توقف عن إجراءات الشحن.. الزواج ألغي"!.. وقالت "سعاد" مرة إنها لو تزوجت "حليم" لكان عليها أن تسكن فى جناح الزقازيق لتحل محل ابن خالته وزوجته.. وسوف تتحول إلى ربة منزل لا شغل لها إلا أن ترعي "حليم" وتوفر للنجم الكبير ما يحتاج إليه من عناية فى منزله ليواصل تألقه.. ولم يكن ذلك رغم حبها لـ "حليم" هو نهاية المطاف فى تطلعاتها سوف نفتح اليوم صفحة مهمة فى حياة العندليب..
إنها قصة سعاد حسني. في البداية كنت مترددا فى أن أفرد لها فصلا كاملا فى هذه المذكرات.. مفضلا أن أضعها فى سياق الكلام عن جملة حياته العاطفية، ولكنني عدلت عن ذلك لأسباب كثيرة.. فقد لمست رغبة عارمة من معظم الجماهير التي بلغ عشقها لـ "حليم" و "سعاد"" أبلغ المدي.. رغبة أن يعرفوا كنه هذه العلاقة وكيف انتهت وكان هناك سؤال تردد كثيرا هل تزوج "حليم" من "سعاد"؟ قررت أن أدلي بدلوي فى هذا المجال ملتزما بالاقتصار على سرد الوقائع ومبتعدا عن اختراع أقوال كتلك التي نسبت إليهما.. لقد قرأت بعض القصص عن "حليم" و "سعاد" دبجها خيال من ألفها.. واحتوت على حوارات اخترعها الكاتب مع "حليم" أو "سعاد" بعد أن أصبحا فى جوار ربهما.. وبعض الحوارات كانت أحاديث فى غرف مغلقة بين هذا الثنائي لا أدري كيف استطاع كاتبها أن يحصل عليها. رأيت إذن أن أروي قصة حب "حليم" و"سعاد".. فهي قصة حقيقية بين اثنين يمثل كل منهما ظاهرة فنية نادرة التكرار.. حب فيه الآمال التي تغذي الأحلام والقدر الذي يطيح بها، فيه بهجة التلاقي ولوعة الفراق.
لنلقي نظرة سريعة على بداية بطلتنا. ولدت سعاد حسني فى القاهرة يوم 26 كانون الثاني من عام 1942، ويحمل تاريخ كانون الثاني ذكري لا ينساها من عاشوا تلك الأيام.. فبعد 8 سنوات من مولدها وفي نفس التاريخ احترقت القاهرة بفعل من تآمروا على إجهاض الكفاح المسلح ضد القوات البريطانية التي كانت تحتل القناة.. والذي بلغ ذروته ذلك الحين. أجهض الكفاح ولكن الحريق كان مقدمة للإطاحة بالعهد القديم كله.
بعد ثلاث سنوات من مولدها.. وهي لم تزل بعد طفلة صغيرة.. اشتركت "سعاد" فى أشهر برنامج إذاعي للأطفال وهو "بابا شارو".. حيث كانت تغني "أنا أخت القمر" وهو الاسم الذي التصق بـ "سعاد"" فترة طويلة قبل أن تلقب بـ "السندريللا". وكانت أول إطلالة لوجهها على جمهور السينما.. حين التقطت العين النفاذة للكاتب عبدالرحمن الخميسي موهبتها فى وقت مبكر.. فتبناها وعهد بها إلى صديقه إبراهيم سعفان مدرس اللغة العربية الذي تحول بعد ذلك إلى التمثيل الكوميدي.. ليعطيها دروسا فى الإلقاء ثم قدمها إلى المخرج بركات لتقوم بدور البطولة فى فيلم "حسن ونعيمة" أمام الوجه الجديد محرم فؤاد.. وعمرها لم يتجاوز بعد السبعة عشر ربيعا.. كان ذلك فى عام 1959
لفتت "سعاد" الأنظار فرشحت لتلعب دور أخت "حليم" فى فيلم "البنات والصيف" عن قصة الكاتب المعروف إحسان عبدالقدوس ـ كان ذلك أول لقاء فني مع "حليم" وآخر لقاء فني أيضا ـ ولكنه كان بداية قصة الحب. أحس "حليم" بقلبه يخفق لأخت القمر البنت الجميلة الشقية التي لا تخلو ملامحها من أنوثة طاغية.. مع إحساسه بالحب التقط "حليم" بحدسه الذي قلما يخيب فى الاختيار.. الموهبة القادمة وصارع لتقوم "سعاد" بدور حبيبته لا أخته.. ولكن هذا الاقتراح لم يلق قبولا من القائمين على الفيلم.. وحتي المؤلف اعترض عليه فلعبت زيزي البدراوي دور الحبيبة.. واحتفظت "سعاد" بدور الأخت.. ولم يخف "حليم" خيبة أمله لعدم أخذهم برأيه.. وكان يردد دائما أنه كان مدفوعا باعتبارات فنية تحققت صحتها بعد ذلك.. حين أصبحت "سعاد" النجمة الأولي.. والحق أيضا أن "حليم" سوف يظل حتي نهاية حياته يحلم بفيلم رومانسي تلعب فيه "سعاد" دور البطولة أمامه.
ولقد كان دور "سعاد" فى هذا الفيلم هو آخر مرة تلعب فيه دورا ثانويا.. وقد انزاحت كل العقبات أمامها حين لعبت بعد ذلك دور البطولة المطلقة فى فيلم "إشاعة حب" أمام النجم عمر الشريف.. وبعدها أصبح واضحا للجميع أنهم أمام ظاهرة غير عادية وموهبة فذة سوف تدفع بصاحبتها إلى المقدمة.. وخلال النصف الأول من الستينيات بلغت التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي بعثتها ثورة يوليو أوجها.. وفي نفس الوقت صعدت أخت القمر إلى مدار النجوم.. وقادت حركة التغيير فى التعبير السينمائي.. وقدمت نموذجا جديدا للبنت المصرية بصوتها المرح وحركاتها الرشيقة الوثابة نموذجا يختلف عما سبق ويجاري ما حدث من تطورات اجتماعية فى سنوات يوليو.
نما الحب بين "حليم" و"سعاد" فى هذه الفترة. في بداية لقائهما كان "حليم" قد مثل الفيلم العاشر من 51 فيلما لعبها طوال حياته.. على حين كانت "سعاد" تمثل فيلمها الثالث من 58 فيلما هي مجموع أفلامها. خلال عام 1961 قامت "سعاد" ببطولة سبع أفلام كان أبرزها "السفيرة عزيزة" ثم قامت ببطولة 5 أفلام خلال سنة 1962. لم ينقطع لقاء "حليم" و "سعاد" خلال هاتين السنتين.. وكان "حليم" يقوم بدور المحب والأب والراعي لـ "سعاد"".. ويقدم لها المشورة دائما. ولكن ماذا عن الزواج.. ومتي بدأت فكرته؟..
كان ذلك حين قامت "صوت العرب" سنة 1961 بتنظيم رحلة إلى المغرب تقام خلالها عدة حفلات غنائية يخصص دخلها لضحايا الزلزال المدمر الذي وقع فى مدينة أجادير المغربية يوم 29 شباط سنة 1960 ودمر الجزء الأكبر من المدينة.. وأوقع آلاف القتلي.. وكان رأس هذه البعثة السيد كمال إسماعيل نائب مدير إذاعة "صوت العرب".. ومعه إعلامي آخر من نفس الإذاعة.. كان من أحب أصدقاء "حليم" وأقربهم إلى قلبه.. وهو وجدي الحكيم.. وكانت "سعاد" تكن له طوال عمرها شعورا بالمحبة والتقدير.. وقد لعب دورا فى قصة حبهما. كانت البعثة تضم إلى جانب "حليم" و "سعاد".. كلاً من الفنانين: يوسف وهبي وعمر الحريري وآمال فهمي ومحمد عبدالمطلب ومحمد قنديل وهدي سلطان وشريفة فاضل والمنولوجيست الشهير محمود شكوكو. وجابت البعثة معظم أرجاء المغرب.. فقدمت حفلات غنائية على المسرح الوطني فى الرباط.. ثم على مسارح البلدية فى مدن الدار البيضاء وطنجة وتطوان وفاس ومكناس.
خلال الرحلة وصلت قصة الحب بين "حليم" و "سعاد" إلى ذروتها.. عاش العاشقان أسعد أيامهما.. ارتشفا رحيق الحب كاملا.. كانا لا يفترقان أبدا.. ولم يكتما شيئا ولمس كل من بالرحلة مدي التطور فى حبهما.. فقد اتفقا على الزواج.. كان "حليم" يحلم بالأسرة العادية زوج وزوجة وأبناء.. تلك الأسرة التي افتقد صورتها فى طفولته الحزينة.. وكانت "سعاد" تحلم أيضا بدفء واستقرار المنزل الذي لم تنعم به بين أب وأم مطلقين يتنازعان عليها بين المحاكم.
وحين اقتربت الرحلة من نهايتها كان "حليم" و "سعاد".. قد بحثا فى تفاصيل الزواج المقبل. كان من المفروض أن "سعاد" سوف تنتقل بعد عقد القران فى القاهرة إلى منزل "حليم" فى الزمالك.. وهو المنزل الذي ينقسم إلى جناحين منفصلين.. يقيم "حليم" فى الجناح الذي يطل على حديقة الأسماك وبه غرفة نومه الكبيرة وغرفة نوم مجاورة.. ثم مكتب وبعد ذلك يمتد المكان ليكون ثلاثة صالونات منفصلة ومفتوحة وبه أثاث فاخر وأثاث أحد هذه الصالونات مكون من قطع من مخلفات بعض القصور الملكية.. ثم غرفة المائدة والجناح كله آية فى الذوق الرفيع.. أما الجزء الآخر من المنزل فقد خصص لـ "شحاتة" وزوجته اللذين يتوليان العناية بكل شؤون المنزل ويضم إلى جانب غرف نومهما المطبخ وغرف للعاملين بالمنزل.. وكنا نطلق على هذا الجزء من المنزل جناح الزقازيق.. وهكذا لم يكن مطلوبا عند زواج "حليم" إلا إعادة تأثيث غرفة نومه..
وقد أعجب الثنائي خلال جولتهما بـ "المغرب" بسرير من النحاس كان آية فى جمال الصنعة.. فاتفقا على شرائه.. وقام "حليم" بدفع ثمنه وإبقائه عند البائع لحين شحنه إلى القاهرة. غادرت البعثة المغرب وتوجه "حليم" و "سعاد" ويوسف وهبي والصديق وجدي الحكيم ومحمد أبو نار، وهو أحد رجال الصف الثاني للضباط الأحرار.. توجهوا جميعا إلى جبل طارق.. حيث قضوا ثلاثة أيام فى السياحة والنزهة بعدها قام الفنان يوسف وهبي بدعوتهم لقضاء عطلة قصيرة فى منزل كان يملكه فى جنيف بـ "سويسرا".
ثم حدثت مشكلة إدارية للبعثة فقد قررت جمعية حق الأداء العلني فى فرنسا أن تصادر إيراد كل الحفلات التي اقامتها "صوت العرب".. وذلك حتي تستطيع أن تخصم حقوق المؤلفين والملحنين.. وكان لا بد من إرسال مندوب يعود إلى المغرب لحل المشكلة حتي يمكن إرسال الإيراد إلى الجهة المستحقة وهم ضحايا الزلزال.. فذهب وجدي الحكيم وفي الوقت نفسه عاد الباقون إلى القاهرة وطلب "حليم" من "وجدي" أن يقوم بشحن السرير وبعض القطع الأخري إلى القاهرة حال وصول "حليم".
أتم "وجدي" مهمته.. وبينما هو يقوم بإجراءات الشحن تلقي مكالمة من "حليم" يطلب منه عدم إتمام شراء السرير وإلغاء الصفقة تماما.. سأله "وجدي": لماذا يا "حليم"؟.. فرد بصوت مخنوق: لقد ألغي الزواج.. كيف.. لقد غيرت "سعاد" رأيها.. رفضت الفكرة فجأة.. وكان وقع الخبر على "حليم" كالصاعقة. لم يكن "حليم" هو الذي رفض مشروع الزواج كما قيل.. وفقد كانت "سعاد" الحب الحقيقي فى حياته.. وقد تكررت تجارب "حليم" بعد ذلك فى الحب وحتي فى محاولات للزواج كان يتراجع عنها دائما.. ولكن رفض "سعاد" ترك فى قلبه جرحا غائرا.
كانت "سعاد" تحب "حليم" أيضا بصدق.. فلماذا رفضته؟.. لقد قالت "سعاد" مرة إنها لو تزوجت "حليم" لكان عليها أن تسكن فى جناح الزقازيق لتحل محل ابن خالته وزوجته.. وسوف تتحول إلى ربة منزل لا شغل لها إلا أن ترعي "حليم" وتوفر للنجم الكبير ما يحتاج إليه من عناية فى منزله ليواصل تألقه.. ولم يكن ذلك رغم حبها لـ "حليم" هو نهاية المطاف فى تطلعاتها.. وكما أسلفنا فقد قامت السندريللا بعد ذلك ببطولة 28 فيلما من مجموع 58 فيلم.. وارتفعت - خلال الفترة الزمنية التي تلت رفضها للزواج- إلى قمة القمم.. وأصبحت العنوان الرئيسي للريادة فى السينما المصرية والعربية.. ولست أدري هل كان يمكن أن تقطع هذا الشوط لو وافقت على الزواج من "حليم"؟.
وطوال المدة التي عشتها مع "حليم" لم تنقطع سيرتها بيننا.. كما لم ينقطع "حليم" عن الاتصال بها إلى أن تزوجت من على بدرخان.. وكان "حليم" على ثقة كاملة من أن رفضها جاء نتيجة لنصيحة من بعض المحيطين بها بأن زواجها من "حليم" سيكون عمره قصيرا.. وأن النجم الكبير سوف يهجرها يوما فقد تعود أن يطير من زهرة إلى زهرة.
وقد أسعدتني الظروف بأن أراها وأجلس معها ضيفا فى منزلها مع على بدرخان.. كان ذلك بعد موت "حليم".. كانت "سعاد" قد تغيرت فقد نضج فكرها الاجتماعي بعد أن تم نضجها الفني.. واحتفظت بمرحها وجاذبيتها الرائعة.. واستمعت إلى غنائها فى تلك الجلسات الخاصة.. وكم وددت لو استطعت أن أسألها عن سر رفضها.. أو أن أثير معها الموضوع بأية طريقة.. ولكن الظروف لم تكن تسمح لي بأن أتداول معها هذا الموضوع..