ارجوا قرائتها كاملة و عذرا على الاطالة
فإن مِنْ النِّعم التي وُضِعت في غير موضعها ، واستعملت في غير ما وُجدت لـه : الهاتف ؛ فهو سلاح ذو حدّين .
فكم له من ضحية ، وكم مِن مآسي كان أولُها عَبَث بهذا الجهاز ، والنتيجة العار والفضيحة .
فَبَلِيّةُ الشباب التدخين ، وبلية الفتيات الهاتف ، ويجمع بينهما : أن كلاهما أولُه دلع وآخره ولع
وهكذا يَرضى الشيطان من بني آدم أن يضعوا أول خطوة على طريق المعصية ، ليُوقعهم فيما هو أكبر ، وقد حذّر الحقُّ تبارك وتعالى من اتِّباع خطوات الشيطان وإن كثيراً من الناس اتّخذوا عدوهم صديقاً ، فَعَصَوا الرحمن ، وأطاعوا الشيطان واتّبعوا خُطُواته .
إن كثيراً من الشباب الذين يُحاولون إيقاع الساذجات من الفتيات في شباكهم عبـر خدعة الحب أو وعود الزواج أو الأحلام الوردية ، يستدرجونهن مِن خلال تلك الوسائل وينصبون لهن شِباك الهاتف وتسجيل الصوت وأحيانا الاحتفاظ بالصور ، فإذا حَصَلَ على مُراده ، وأخذ من الفتاة أعزّ ما تملك ، ما يلبث أن يُكشّر عن ناب المكر والخديعة ، ويبحث عن ساذجة أخرى ، وهكذا ، وقد تبكي دماً أو تعضّ على يديها ندمـاً ، ولكن بعد فوات الأوان .
أما الشاب فيقول بلسان حاله ومقاله : لو لم يبق في الدنيا سوى تلك المُغفّلة ما تزوّجتها ! وهو الذي كان يضعُ لها الشمسَ في يد ، والقمرَ في الأخرى !
هل تُصدّق الفتاة أن ذلك الشاب المعاكس فعلاً يُريد الزواج بها ؟
أو أنه لا يستطيع أن ينساها ؟ ولا يستطيع أن يعيش بدونها ! وكأنها الماء أو الهواء !
وهو الذي يتهددها ويتوعّدها إن لم تخرج معه ، هذا حبٌّ بِلَوي الذراع !
إن المسلمة يجب أن تبتعد عن مواطن الريبة ، وأن تجعل بينها وبين الريبة والفاحشة خندقاً بحيث لا يطمع فيها طامع ، ولا يلتفت إليها كلّ ساقط وضائع .
لا أن تجعل بينها وبين الفاحشة شعرة ما تلبث أن تنقطع ، ويكون ذلّ المعصية وعار الجريمة يُطاردها طوال حياتها ، وربما بعد مماتها إن لم تندم وتتُب ..
وهذا بالإضافة إلى أن نتيجته عار في الدنيا ، فإن مآله ومردَّه في الآخرة عذابٌ أليم وخزيٌ عظيم ، إن لم يُتَبَ منه .
أُخيّتي :
قبل أن ترفعي سماعة الهاتف تذكّري ماذا يُراد بك ؟
وقبل أن تخضعي بالقول تذكّري أن الله مُطّلع عليك فلا تجعليه أهون الناظرين إليك .
إن استتـرت عن أبيكِ وأخيك ، فتذكّري مَنْ لا تخفى عليه خافية ، وقد قال سبحانه وتعالى في شأن المنافقين : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) [النساء:108].
وقد ورد الوعيد الشديد في ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم : لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا ، فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا » قال ثوبان : يا رسول الله صفهم لنا ، جلِّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم . قال : « أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها » رواه ابن ماجه ، وهو حديث صحيح .
وقد قيل : ربَّ كلمةٍ قالت لصاحبها دعني .
كم هي المآسي نتيجة كلمة واحدة ، كانت البداية والانطلاق في مغامرات نفق مظلم يُرى أولُه ولا يُعلم على ماذا ينطوي .
إن الشاب الذي يتّصل بالفتاة ويطلب منها مُحادثته مُدّعياً براءته ، وأنه لا يُريد سوى التحدّث والدردشة – كما يُقال – ثم يُظهر لها إعجابه بها ، ويُثني عليها ، فتغتـرّ بذلك
وتنساق الضعفية ، كما تُساق الشاة إلى مكان الذّبح ، وهي لا تشعر .
إن كثيراً من شباب المعاكسات يقولون : إن مَنْ انساقت وراء كلمة مِنِّي ربما تنساق وراء كلمة أخرى مِنْ شخص آخـر .
ويقولون : إن كانت كلّمتني وطاوعتني لأجل مالي فسوف تجد مَن هو أكثر مالاً مِنِّي .
وإن كانت كلّمتني لجمالي فسوف تجد مَن هو أجمل مِنِّي .
وأن كانت كلّمتني وهي لا تعرفني فما الذي يمنعها أن تُكلّم غيري ؟
وقائل ذلك مُحقٌّ في ذلك ، فإن مَنْ خانتْ أهلها ، وحادَثَتْ شخصاً لا تعرفه ، فعهودها مستحيلة ، فما الذي يضمن له ألا تخونه .
فهو ينظر بعين عقله وهي تنظر بعين عاطفتها التي عليها غشاوة .
واللّومُ يقعُ عليها هي ، ولذا فهي التي تُعطيه الإشارة إلى أن يُكلّمها ، وأن يُعاود الاتصال ، ومِن ثمّ يُسجِّل صوتها ويُهددها به إن لم تُطاوعه أن يُبلغ أهلها ، وهذا دليل على بداية الخيانة ، فتُطاوِعَه المسكينة ، وتظنّ أنه لقاء واحد برئ ، ولكن الأمر – كمـا
قيل - : رحلة الألف ميل بدايتها خطوة واحدة .
خرجت والْتَقَتْ به في السوق أو في السيارة دقائق معدودة ، ثم عاود ( قيسٌ ) الاتصال ، وأظهر لها إعجابه بها ، وانه لم ينم تلك الليلة ، و… ، وطلب اللقاء مرة ثانية وتحت ضغط التهديد طاوعته ، ولم يكن اللقاء في هذه المرّة دقائق فقد يطول ، وربما التُقِطَتْ فيه الصور التذكارية والتي هي عبارة عن بداية قاصمة الظهر ، ثم تُصبح تلك الصور والأشرطة التي سُجِّلتْ بصوتها وسائل تهديد وضغطٍ حتى تقع في الفخّ ، ويأخذ منها أعزّ ما تملك ، فأخذ منها شرفها وعفّتها ، وأعظم من ذلك دينها .
فقد أصبحت في عِداد الزواني ، اللوتي لا ينكحهن إلا زانٍ مثلهن أو مشرك ، كمـا قال تعالى : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)[النور:3].
فالمعاكسُ لا يَهمُّه شرفك ولا عرضك ولا سمعتك ، إنما يَهُمُّه أن يتمتّع بك ، ثم يَرْمي بك على قارعة الطريق ، إن لم يتّخذك – أجارك الله وحماك – وسيلـةَ تسليـة ومُتعـة لـه ولأصدقائه ، وعندها لا تستطيع الفتاة أن تتخلّص من تلك الورطة ، ولا أن تنجو من تلك المصيبة ، فقد وقعت في الفخّ ، وارتمت في الشِّباك ، وأصبحت بغياً – أجاركن الله – بعد أن كانت في عليائها لا تُنال إلا بأغلى المهور ، ولا ترتضي أي خطيب ، بل تَشْتَـرِط أو يُشترط لها شروطاً معيّنة .
ما الذي أنـزلها مِنْ عليائها وأبراجها إلى الحضيض الأسفلِ إلا خُطوةٌ من خطوات الشيطان ، وعبثٌ تَعُـدُّه بعض البنات عبثاً بريئاً بزعمها :
فاحذري أُخيّة :
وفكّري في عواقب الأمور قبل أن تضعي رقماً ، أو تخضعي بالقول لـوغدٍ مُتلاعبٍ بأعراض المسلمين ، والشواهد على هذا كثيرة ، والحقائق والوقائع أشهر من أن تُذكر ، وأكثر من أن تُحصر في عجالة .
إن العلاج الناجع ، والحل الناجح لمثل هذه القضايا ، إلا تخوض الفتاة غمارها ، ولا تقـترب حولها ، ولا تُفكّر بذلك مجرّد تفكير ، ولتعلم أنها اليوم تملك أمرها ، وتحفظ شرفها ، وتحمي عرضها ، بامتناعها عن سماع كلمة واحدة ، وإغلاق سماعة الهاتف في وجه كل عابث ومُتلاعِب ، وألا تجعل للشيطان عليها سبيلاً ، فلا تجعل الهاتف في غُرفتها فهي بذلك تقطع سُبُلَ الشر ، وتغلق طُرُقَ الغواية ، وتدفع الريبة عن نفسها .
ووالله إن الشاب إذا واجهته الفتاة بصرامة فأغلقت في وجهه السماعة ، وإن عاود الاتصال أسمعته ما لا يُرضيه ، والله إنه لا يجرؤ على الاتصال أو العبث .
وعلى سبيل المثال : فتاة سَمِعَتْ مُتّصلاً يُحاول الخضوع لها في القول ، فأغلقت السماعة ، ثم حاول مرة ثانية فَدَعَتْ عليه دعوةً شديدة ، فما عاود الاتصال .
فمثل تلك الفتاة يقول عنها الشباب : لا فائدة فيها ، ما يُمكن الوصول إليها .
وأذكر لك شيئاً من وسائل المعاكسين لتكوني منها على حذر .
من وسائل المعاكسين :
الاتصال أول مرّة ثم يُبدي اعتذراً لطيفاً ، يكون مثار إعجاب الفتاة .
الاتصال بدعوى أنهم اتّصلوا عليه سواء على الجوال أو النداء ( البيجر ) ثم يسأل عن البيت أو يدّعي تقديم خدمة .
الاتصال بزعم أنه لديه مشاكل ، وأنه يحتاج من يقف بجانبه ، وإلى من يستمع منه ، ليستدرّ عطف الفتاة ، لتشاركه في حلّ مشكلاته ، وكأنها حلاّل المشاكل .
الاتصال بزعم أنه يعرفها أو يعرف أهلها وأنه مُعجبٌ بها ، وقد يكون استقى تلك المعلومات عن طريق أخته مثلاً ، أو عن طريق تصيّد أحد الأطفال عبر سماعة الهاتف ليأخذ منه المعلومات الكاملة عن البيت وأهله ، وهذا من الأخطاء التي تتـرتّب على ردّ الأطفال على الهاتف .
الاتصال والسكوت عدة مرات وتحمّل الكلمات الجارحة ، وإظهار سعة الصدر ، أو الفرح بتلك الكلمات ولو كانت جارحة ما دامت منك !
الاتصال بدعوى أنه يبحث عن زوجة وأنه بحث وبحث ولم يجد ، فيرجو أن تُساعديه وأنه سمِع عن حصافة عقلك ونباهتك ويُريد منك أن تخدميه .
وكل هذه محاولات لبدء الحديث واستماع الشكوى ، ومن ثم تسجيل الصوت كخطوة أولى ، يليها ما بعدها من خطوات شيطانية آثمة .
ومهما يكن من أمر فلا تُخدعي ، وإياك أن تُستدرجي ، وحذار من الخطوة الأولى ، فهي الزلة المُهلِكة ، وإن كنت وقعت في الخطوة الأولى ، فالرجوع أيسر من السقوط في الهاوية ، واقطعي كل صلة ، ولا تـتـركي لـه فرصة ليُهددك بصوتك أو صورتك ، لا تستمعي إليه ، وفي كل مـرة أغلقي السماعة ، وإن أردت الخلاص فلا تردّي على الهاتف إلا بقدر الحاجة من غير خضوع بالقول .
وإن كان صادقاً في تهديده فإنه سيفضح نفسه ، وإن تجـرأ وفضحك بين أهلك أو عند إخوانك بإرسال شريط بصوتك أو حتى أشرطة ، فو الله لأن يَفتضح أمر الفتاة بين أهلها أنها اتّصلت أو كلّمت شاباً غريباً ثم يؤدِّبوها على غلطتها خير لها ألف مرة من أن تَفتضح أنها زانية –أجارك الله -
مع العلم أن كثيراً من الشباب إنما يهددون فقط ؛ لأنهم سيُفتضح أمرهم ، وربما تُعرف أصواتُهم فينالهم من العقاب ما ينالهم .
وإن كنت وقعت في اول حُفرة فكلّمك شاب أو كلّمتيه ، فاتركيه واهجريه فـــوراً
فلا هو مُحبّ ولا هو عاشقٌ ولهان ، ولا أدل على ذلك من أن الفتاة لو ادّعت أنها أُصيبت بسرطان مثلاً أو فشل كلوي لقطع علاقته معها ، وفرّ منها فراره من الأسد .
وإذا أظهر الشاب أنه ( قيس ) القرن العشرين ! وأنه يذوب وَجداً في محبوبته فلتُجرّب الفتاة ، ولتطلب منه إثبات صدق دعواه ، بأنها مريضة وتحتاج إلى عين –مثلاً – أو كِلية ، أو أن والدتها – مثلاً – أو والدها في المستشفى ويحتاج إلى عين أو كِلية !
فلا شك أنه سيُثبت أنه لا هو بـ ( قيس ) ولا هي ليلى ! وفي البنات بدائل !
ولو وقعت فتاة في شباك المكالمات فأظهرتْ للشاب أن أهلها عزموا على تزويجها وإن عليه أن يتقدّم لخطبتها ، فَسَتـرى النتيجة بعينها .
أفيقي من سكرة الحب الموهوم ، والزواج المزعوم ، قبل أن تندمي وحينها لا ينفع الندم .
إن شباب المعاكسات نسخة واحدة ، يتّفقون في أنهم مخادعون ، محتالون ، وللحبِّ يدّعون ويُظهرون ، وأنهم للزواج يسعون ويُريدون ، وهم كذّابون أفّاكون .
ويتّفقون في أنهم ينصبون شباك الوهم في طريق بنات المسلمين .
يرمون الأرقام أمام الأقدام ، وهذا دليل على الخسّة والوضاعة ، فليست هذه أفعال الرجال ، والرجال منهم براء ، ولكنهم تعوّدوا الاصطياد في الماء العكر .
إن مَن يُريد الزواج يأتي البيوت من أبوابها ، لا أن يتسوّر بيوت المسلمين عبر الأسلاك ، فهذه أساليب الأراذل من بني الإنسان .
فكيف ترتضي الفتاة معاكساً ساقطاً يكون زوج المستقبل ، وشريك العمر .
إن شاباً كهذا لا عهد له ولا ذمّة ، فالذي رمى لك اليوم رقماً رماه لعشرات غيرك .
والذي اتّصل بك اليوم اتّصل بغيرك .
والذي زعم حُبّكِ زَعَمَه لسواك .
والذي وعدك بالزواج وَعَدَ به أُخريات .
فمثل هذا عهوده مستحيلة . ولا تقول الفتاة عن مَنْ يُكلّمها إنه يختلف عن الآخرين .!
أو من تدعوك للتعرف على صديقٍ لها أو على أخيها ، فإنما هي من أتباع الشيطان الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير .
إن بعض الفتيات تفعل هذا بزعمها أو بتلبيس الشيطان عليها لتضمن زوجـاً ، أو لتحدد فارس احلامها ، أو لتعيش الحب .
وكل هذه أوهام وخيالات ، هي في حقيقتها سراب بِقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا
جاءه لم يجده شيئاً ، ووجد عنده الحسرة والندامة .
أخيّتي :
اتقي الله وراقبيه في السر والعلانية واعلمي أن رسولك قال صلى الله عليه وسلم : البِرّ حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك ، وكرهت أن يطلع عليه الناس . رواه مسلم .
فأنت ولا شك تخشين وتكرهين أن يطّلع عليك أحد من أهلك وأنت تتصلين اتصالا مُريباً
إذا خلوتَ بريبــة في ظلمةٍ والنفسُ داعيةٌ إلى الطُّغيانِ
فاستحيي من نظر الإله وقل لها : إن الذي خَلَقَ الظلام يراني