يامن لاعقل له ليتدبر امرا ما
الذي أعمى الله بصره كالذي أعمى الله بصيرته، فكما أن أعمى البصر لو وقف أمام الشمس التي تكسر نور البصر لم يرها، فكذلك من أعمى الله بصيرته لو وقف أمام أنوار الحق ما رآها
فهاذا انت مهما تقول وخذ من علمي قليلا ولا اظن لضيق مساعة عقلك ان تستوعب ما اقول
وقبل ذكر الاساليب احب ان ابين ان غالبية اساليب الملحدين تدور فى نطاق واحد وجميعها قريبة من بعضها وتحتاج من المحاور المسلم الى شىء من الفطنة والذكاء لبيان الاسلوب المستخدم من الملحد فى الحوار ومع الوقت والخبرة سيصبح كشف الاسلوب المستخدم سهل وميسور ... ومن المهم ايضا التذكير بما قلته سابقا عليك ايها المسلم المحاور ان تعرف ما هى عقيدة خصمك فهل هو ملحد ام لادينى ام شيوعى ام علمانى ام ليبرالى وما المشروع الذى يتبناه فذلك يساعدك كثيرا فى الهجوم بدلا من اتخاذك موقف الدفاع على طول الخط فلقد راينا الكثير منهم يدخلون المنتدى ويشرعون فى مهاجمة هذا وذاك دون الافصاح عن توجهاتهم الفكرية والعقدية فهل يخجلون من الاعتراف بما يؤمنون ؟ ولماذا يفتقدون الى الصراحة والوضوح مع انهم يزعمون انهم وجدو الحقيقة التى عمى عنها الكثيرون ؟! ومن المعلوم بداهة ان من يعترض على حكم معين فى الإسلام واعلان تناقضه للطبيعة البشرية او للعصر عليه ان ياتى بالبديل العقلى والمنطقى لذلك الحكم وهذا ما عجز اى منهم على الاتيان به الى الان فهم يهاجمون تعدد الزوجات مثلا دون الاتيان بحلول لمشاكل العنوسة والمطلقات والارامل واليتامى فلتنتبه يا مسلم الى هذا
وندخل الان فى الاساليب
الاسلوب الاول : الحيدة . فلو انك تتكلم مع ملحد عن اثبات وجود الله وتناقشه والزمته بدليل السببية تجده حاد عن الموضوع وقال لك ولكن الى اى اله تدعونى فللنصارى اله ولليهود اله وللهنود اله فعن اى اله تتكلم ؟! وايضا الكلام عن الحديث وحجيته فتجد احدهم منكر للحديث كليا وجزئا فاذا قلت له ان الله امرنا بطاعة الرسول وان كلامه حجة قال لك ولكن للسنة احاديث وللشيعة احاديث فبايهما تريدنى ان اؤمن ؟ وهذا الاسلوب يحتاج الى علم من المحاور المسلم ليفرق بين المسالة المطروحة وما يحاول الملحد الذهاب اليه لان الذى يحيد يكون كلامه قريب من المسالة المطروحة ولكنه ليس هو اصل المسالة .
الاسلوب الثانى : التشتيت . ومن اساليب التشتيت طرح عدة محاور فى مشاركة واحدة باسلوب خبيث سواء كانت فى بداية الموضوع فيطرح الملحد اكثر من مسالة عند افتتاحه موضوعه او فى منتصف الموضوع وذلك يكون عند الزامه بشىء لا يستطيع اجابته . ومن الممكن ان يتم التشتيت على يد اخ مسلم فيكون الحوار حول موضوع ويدخل المسلم يتكلم عن موضوع اخر تماما وغالبا ما يتمسك الملحدين بهذه المداخلة ويلعبوا فيها كيفما شاءوا .وعليكم بمساعدة الادارة ان تلزموا الملحدين بالنقاش حول موضوع واحد فقط ويكون ملزم بالرد حتى النهاية ولو كانت المسالة مطروحة مسبقا فيكفيكم الاحالة الى روابط سابقة فذلك يوفر المجهود ويجعلكم لا تبداؤون من الصفر وكذلك فان رد فعله على تحديد نقاط الحوار والاحالة الى المواضيع القديمة يكشف توجه الملحد وهل هو طاعن ام باحث عن الحق
الاسلوب الثالث : تكرار السؤال او تكرار الكلام . توجد نوعية من الملحدين بعد اجابتهم ودحر شبهتهم تجدهم بعد مرور عدة مداخلات يكررون السؤال الذى طرح اول مرة من جديد كانك ما اجبتهم على سؤالهم . وهدف الملحد من هذا ان يبين انه لا توجد من الاجوبة المطروحة اى جواب يشفى غليله او يجيب تساؤله ونحن فى هذا المقام لا يعنينا ما يراه الملحد المهم ما استطاع الجواب عليه . فان كرر الملحد السؤال فيكون الرد المناسب تكرار الجواب ولا داعى لاعادة صياغة الرد مرة اخرى لان الملحد يهدف الى اضعاف ردك بهذا الاسلوب . ومهم جدا التنبيه الى نقطة هامة بالنسبة لاخواننا الجدد لان بعضهم اذا راى ملحد كرر السؤال ظن ان جواب اخواننا السابقين غير شافى فيتدخل بكل حماس لعل الجواب الشافى يكون عنده ويكون الواقع للاسف ان رده هو الضعيف او رده بعيد عن اصل الموضوع فيستغل الملحد هذا الرد كثغرة ويفعل به ما يشاء فلينتبه الاخوة الى ذلك
الاسلوب الرابع : انتقائية الردود واختيار اضعفها . واحد من اهم اساليب الملاحدة واصل اصيل يعتمدون عليه ونراه على شكلين : الاول ان يضع الملحد شبهة فيرد عليه اخ ذو علم ولا يتدخل فى الحوار غير هذا الاخ ويكون الرد من اخونا قويا فتجد الملحد يختار من رد هذا الاخ سطر واحد ويبنى عليه رد فان كان اخونا على علم باساليب الملاحدة الزمه بالرد على جميع النقاط وذكره بما تجاهله .... الشكل الثانى ان يطرح الملحد شبهة فتاتيه الردود من اكثر من اخ العالم منهم والعامى فيختار الملحد اضعف الردود وايسرها مع تجاهل اقواها وامتنها واذا طالبته بالرد قال لك الردود كثيرة ووقتى ضيق لا يسمح وعلينا وقتها ان نلزم ذلك الملحد بالرد على جميع المداخلات فان قال وقتى لا يسمح قلنا له نحدد لك محاور او اثنين بشرط ان تلتزم بالرد على كل مداخلاتهم
الاسلوب الخامس : الدندنة على مصادرة الاراء وتقبل الاخر وعدم وجود عدل عند المسلمين. وهذه المسالة مشهورة عند الملحدين ولا يكاد واحد منهم فى وقتنا الحالى لا يذكرها فى اى حوار له مع مسلم وللاسف فان كثير من المسلمين يتاثرون بهذه المسالة بل ويصل بهم الحال الى معاتبة اخوانهم الاخرين ......... والعدل عند الملاحدة غريب عجيب لا مثيل له فهم يريدون المسلم كالديوث الذى يرى اهل بيته متعريين ولا ينكر عليهم فاذا فكر فى يوم ان ينكر عليهم اتهموه بالتخلف والرجعية اعاذكم الله من هذه النوعية..... فالملحد يريد ان يطعن فى دينك وفى معتقدك وفى مقدساتك وانت تقابل هذا كله بالابتسامة والانشكاح على وجهك ولا مانع من بعض البلاهة لزوم ارضاء الملاحدة .. والملاحدة من كثرة ما سمعوا عن الحرية والراى والراى الاخر والشفافية وما شابه ذلك مصطلحات اصبح من واجب الملاحدة بما انهم اصحاب رسالة سامية ان ينفذوها على المتعصبين المتسمين بالمسلمين واصبح مترسخ عند الملاحدة ان العدل يكون بسب وقذف عقيدتى بابشع النعوت مقابل شكر وعرفان من قبل المسلم المحاور فهم المتنورين ونحن المتخلفين ....والويل لك يا مسلم ان فكرت فى الكلام عن عقيدة الملحد المتنورة بكلمة او نقد فانت وقتها كائن متخلف ورجعى وارهابى.. باختصار الملاحدة يريدون حوارات راقية اى ان تبدا حوارك وتقول للملحد يا اخى وهو يقول لك يا صديقى تضع له الورود الحمراء ويبادلك هو بالقلوب الحمراء تقول له مع ارق التمنيات ويقول لك مع خالص الشكر .. لا يهم ان طعن الملحد وسب وسخر من دينك بكل الطرق والوسائل الواضحة والخفية المهم ان تظل كلوح الثلج تتقبل اهانته بابتسامة واسعة ولا باس ببعض الايات القرآنية (التى ينقدها الملحد فى الاساس) لتذكير المسلم المتطرف برحمة دينه مع المخالفين ولا يهم محتوى الموضوع فالمهم الرقى فى الحوار لا يهم الى ماذا وصلنا فالمهم الاتيكيت فى الكلام لا يهم اى شىء فى اى شىء المهم ان نخرج من الموضوع ونحن على حب ووفاق ! وكما قال كاتبنا المبدع الفارس مفروس (أريد عناقاً حاراً.. وقبلة مبللة.. تقطر لعاباً على اللحيتين المسلمة والمسيحية !) فلتحذروا من هذا الاسلوب ولا يهمكم ما يدعى الملاحدة او ما يريدون المهم عند المسلم اقامة الحجة على الملحد ... نحن لن نكون مثلهم ابدا ولن يكونوا فى يوم مثلنا تذكروا هذا يا احبة
الاسلوب الخامس : استفزاز المسلم . (من اهم اساليب الملحدين عندى) هذا الاسلوب من اقوى اساليب الملحدين واشدها تاثيرا على المسلم ولا يحتاج منه كثير جهد بل كل ادوات الملحد اثارة شىء يضايق المسلم ثم يترك غيرة المسلم على دينه تتكفل بالباقى ! .... واساليب الاستفزاز كثيرة لا تنحصر فى الاسلوب المعروف بالسخرية والاستهزاء من عقيدة المسلمين فذلك تصرف حمقى الملحدين فهناك طرق اشد خبثا وخفائا لا يلاحظها الكثير ... كتقرير الملحد مسالة ما او يبنى نتيجة وهو اجهل من حمار وقبل ان يسمع اراء المسلمين او ان يتقول على المسلم ما لم يقله او يخرج بنتيجة خاطئة ويدعى انها نتاج حواره معنا او ان يدلس ويكرر التدليس ويتهم عقولنا بالتقصير او يغتاب اخ لنا مسلم او يطعن فى عالم او شيخ... ومن اساليب الاستفزاز الاخرى استغلال الملحد او اللادينى غيرة المسلم على دينه وحرصه على رد الشبهات فلو كان الحوار مثلا عن نبوة النبى تجد الملحد اذا وضع فى خانة (اليك) اى ضيق عليه يطرح عدة شبهات دفعة واحدة ولكن ليست شبهات عادية بل شبهات معينة مخصوصة لمثل هذه المواقف فيقول لك ان رسول الاسلام قتل فلان وعذب علان وتزوج من طفلة وحلل هذا وحرم هذا ثم لا يكتفى بهذا ولمزيد من البهارات يقول هذا الزواج ليس بزواج بل هو اغتصاب ومنهم من يصرح بهذا ومنهم من يوراى فى الكلام .. وربما كان النوع الاول من الممكن التعامل معه ولكن النوع الاخطر فى نظرى النوع الذى يلمح ولا يصرح فاذا ما اغلظت عليه فيقول ها قد سبنى محاورى المسلم وها هى اخلاق الاسلام ولمزيد من الحبكة يقول لماذا يا اخى او لماذا يا صديقى ولا باس من بعض كلمات المحبة والمسكنة ....ومن نتائج هذا الاسلوب ايضا انك ان رددت على كل شبهاته التى طرحها وقتما ضيقت عليه ان يجد فى احداها ثغرة او مجال لمط الحوار فيتمسك بها ويتهرب حجتك فى الموضوع الاصلى ... والامر يحتاج الى حنكة اكثر من غيرة لتستطيع التعامل مع الاستفزاز بشكل جيد فهل يرد على هذا الشخص بنفس الاسلوب ام اقوى ام اقل وكما قلت الامر يحتاج الى حنكة من المسلم لتقدير الموقف ...لهذا اذا وجدتم اخ لكم اغلظ على ملحد او سخر منه عليكم ان تراجعوا الموضوع وتبحثوا عما دعى المسلم الى مثل هذا الموقف فنحن لا نسخر هكذا من (الباب للطاق) اى بدون سبب ولكن ردنا بالحسنى او بالاغلاظ يكون لسبب
هذه هى اهم الاسباب فى نظرى وبعد متابعتى كثير من الملحدين وقد طالبنى كثير من الاخوة ضرب بعض الامثلة على ما اقول وذلك سيتطلب منى بعض الوقت ولكن ان شاء الله احاول تلبية مطلبهم
بقى نقاط اخيرة من المهم بيانها قبل ان ننه هذا الموضوع .... قد يقول البعض ان هناك اجوبة توضع غير مفصلة على شبهات الملحدين ومن الواجب علينا ان نفصل لهم حتى لا يظن قارىء ان لدينا عجز عن البيان والتوضيح بل وربما يقيس بعض القراء قوة الرد بمدى طوله فان كان رد الاخ المسلم اطول فهو اقوى وان كان اقصر فهو ضعيف ! وهذا من الاسباب الرئيسية فى دخول كثير من الاخوة فى الحوارات ولعل اشهر من يرد ردود مختصرة وقصيرة ابو مريم وقد كنت ممن تبنى الراى الذى يقول بالتفصيل والبيان فى بدايات المنتدى ولكنى علمت بعد ذلك ان لكل مقام مقال وان لكل محاور اسلوب ولا ينبغى عليك ان تلقى بكل ما فى جعبتك حتى ترى مستوى محاورك وتعرف نواياه.....وقد يقيس البعض قوة الملحد بكثرة مراجعة المذكورة فى الموضوع بدون ان يراجع المسلم هذه المراجع بنفسه .فاقول لكم اياكم والثقة فى طاعن فى الاسلام ابدا عليكم بمراجعة المصادر التى نقلوا عنها ولتبحثوا ولتنقبوا ولا يغرنكم كثرة الاسماء فما ذلك الا استعراض او يكون المرجع صحيح ولكن الكلام غير صحيح او منقول بشكل يفيد الملحد ويضر المسلم .. وقد يرتهب بعض المسلمون من مصطلحات الملحدين فاقول ايضا لا يغرنكم هذه المصطلحات فهى مجرد بالونات ليس اكثر .. وقد تحاور ملحد فى موضوع علمى فيقول لك المسالة المذكورة موجودة فى اشهر المواقع العلمية لا تخف ولا تهتز عليك ان تطالبه بهذه المواقع او الجامعات ولا تخاف ابدا ........ اخر نقطة كل حوار توجد فيه مواطن ضعف ومواطن قوة يشعر بها المتابعين للحوار عليك ايها المسلم ان اردت الرد على موضوع ان ترد باقوى ما عندك ولا تتدخل وانت شاعر انك تحاول انقاذ ما يمكن انقاذه فذلك سيضعك فى موقف ضعيف وقد يظهر فى ردك وقد تتسبب فى افساد ما يقوم به الاخوة من عمل والافضل الا تتدخل وتتابع من بعيد وكفى ان هذا دين الله وهو كفيل بالحفاظ عليه.... عليك يا مسلم بالرد بقوة ليشعر القارئ لك على طول الخط بقوتك وعلوك على مخالفك وعليك ان تحكم ردك فاذا وصلت الى الشعور بمدى قوتك فعليك الحذر من الاعيب الملحدين من تشتيت او حيدة او استفزاز فهو سيحاول بشتى الطرق اضعاف ردك ليقوى موقفه ويحول ضعفه الى قوة
__________________
لا يوجد أحد غير الملاحدة قد سخر هذا الكم الهائل من الفكر لتحويل البشر إلى حيوانات... فبعد التمعن فى ما كتبوه ومعرفة ما يريدونه للبشرية لم يبق لنا سوى انتظار المشى على اربعة !
"يردد الملحدون مقولة الشيطان التي يقول فيها كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟".
أحببت أن تكون عن كشف شبهة رأيت بعض الملحدين من أنصاف المتعلمين يرددها في مقالاته ؛ وهي مقولة ( من خلق الله ؟ ) التي قد تخطر في أذهان بعض المؤمنين ، لكنهم يعالجونها بالوصفة الشرعية التي دلهم عليها خير البشر صلى الله عليه وسلم في قوله ( يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول : من خلق ربك ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته ) أخرجه البخاري ومسلم ،
وفي رواية لمسلم ( فليقل : آمنت بالله ورسوله ) .
وهذا العلاج السريع يقطع الشبهة من أصلها لكي لا تفسد على المسلم تفكيره وإيمانه لو استرسل معها ؛ لأن الناس يتفاوتون في عقولهم ، وليسوا كلهم سيدرك بطلان هذه المقولة الشيطانية لو حللت له ونقضت ، ولهذا يكتفى معه بهذا العلاج العاجل الذي يقيه المرض بإذن الله . أما أصحاب الشكوك والحيرة من أنصاف المتعلمين فيستخدم معهم أسلوب آخر يعري لهم هذه المقولة ؛ لأنهم حتما لن يقتنعوا بالعلاج الأول الذي يتكئ على إيمان الشخص وفطرته .
وقد وجدت أن الشيخ عبدالرحمن الميداني في كتابه ( كواشف زيوف ، ص 520 - 524 ) قد أجاد في تفنيد هذه الشبهة ؛ فلهذا أحببت نقل كلامه ليستفيد منه القراء . جنبني الله وإياهم حال أهل الشك والريب .
يقول الشيخ عبدالرحمن : "يردد الملحدون مقولة الشيطان التي يقول فيها كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟".
1- فمن الذين ردّدوا هذه الوسوسة الشيطانية الفيلسوف "هيوم" فقال: "إذا كان لابد لنا من البحث عن علّة لكل شيء، لوجب إذن أن نبحث عن علّة للإله نفسه".
2- ومن الذين ردّدوها الفيلسوف "هربرت سبنسر" فقال: "استمع إلى هذا الناسك المتدين، هاهو ذا يقصّ عليك علّة الكون، وكيف نشأ، فخالق الكون عنده هو الله، ولكنه لم يفسّر بهذا الرأي من المشكلة شيئاً، ولم يزد على صاحبه (أي: المنكر للخالق) سوى أن أرجعها خطوة إلى الوراء.
وكأني بك تسائله في سذاجة الطفل: ومن أوجد الله؟".
3- وأخذ الملحد العربي "صادق جلال العظم" هذه الفكرة من "سبنسر" فقال في كتابه "نقد الفكر الديني" في الصفحة (28):
"وفي الواقع علينا أن نعترف بكل تواضع بجهلنا حول كل ما يتعلق بمشكلة المصدر الأول للكون. عندما تقول لي: إن الله هو علّة وجود المادة الأولى التي يتألف منها الكون، وأسألك بدوري: وما علة وجود الله؟ إن أقصى ما تستطيع الإجابة به: لا أعرف إلا أن وجود الله غير معلول.
ومن جهة أخرى عندما تسألني: وما علة وجود المادة الأولى؟ فإن أقصى ما أستطيع الإجابة به، لا أعرف إلا أنها غير معلولة الوجود. في نهاية الأمر اعترف كل منا بجهله حيال المصدر الأول للأشياء، ولكنك اعترفت بذلك بعدي بخطوة واحدة، وأدخلت عناصر غيبية لا لزوم لها لحل المشكلة.
والخلاصة، إذا قلنا: إن المادة الأولى قديمة وغير محدثة، أو أن الله قديم وغير محدث، نكون قد اعترفنا بأننا لا نعرف، ولن نعرف كيف يكون الجواب على مشكلة المصدر الأول للأشياء، فالأفضل إذن أن نعترف بجهلنا صراحة ومباشرة، عوضاً عن الاعتراف به بطرق ملتوية، وبكلمات وعبارات رنانة. ليس من العيب أن نعترف بجهلنا، لأن الاعتراف الصريح بأننا لا نعرف من أهم مقومات التفكير العلمي". انتهى .
كشف الزيف إن التساؤل عن علة وجود المصدر الأول، حجة يوسوس بها الشيطان للإنسان، منذ بدأ الفكر الإلحادي يدبّ إلى أذهان بعض الناس.
وهذه الحجة الشيطانية تزعم أن الإيمان بأن الله هو المصدر الأول للأشياء، والوقوف عنده، يساوي نظرياً وقوف الملحدين عند المادة الأولى للكون، التي يطلقون عليها اسم السديم، وتزعم أن كلا الفريقين لا يجد جواباً على التساؤل عن علة وجود المصدر الأول، إلا أن يقول: لا أعرف ، إلا أن وجود هذا الأصل غير معلول، وتزعم أن الملحد اعترف بهذا قبل المؤمن بخطوة واحدة.
وبعد هذه المزاعم يخادع مطلقوها بأن إعلان الجهل والاعتراف به من متطلبات الأمانة الفكرية، حين لا توجد أدلة وشواهد وبراهين كافيات.
ولدى البحث المنطقي الهادئ يتبين لكل ذي فكر صحيح، أن هذه الحجة ليست إلا مغالطة من المغالطات الفكرية، وهذه المغالطة قائمة على التسوية بين أمرين متباينين تبايناً كلياً، ولا يصحّ التسوية بينهما في الحكم .
وفيما يلي تعرية تامة لهذه المغالطة من كل التلبيسات التي سُترت بها.
إننا إذا وضعنا هذه المغالطة بعبارتها الصحيحة كانت كما يلي:
ما دام الموجود الأزلي الذي هو واجب الوجود عقلاً ولا يصح في حكم العقل عدمه بحالٍ من الأحوال غير معلول الوجود، فلمَ لا يكون الموجود الحادث غير معلول الوجود أيضاً ؟!
إن كل ذي فكر صحيح سليم من الخلل، يعلم علم اليقين أنه لا يصح أن يقاس الحادث على القديم الأزلي الذي لا أوّل له، فلا يصح أن يشتركا بناءً على ذلك في حكم هو من خصائص أحدهما.
على هذه الطريقة من القياس الفاسد من أساسه صُنعت هذه المغالطة الجدلية.
أما أزلية الخالق، وعدم احتياج وجوده إلى علة، فبرهان ذلك يمكن إيجازه بما يلي:
إن العدم العام الشامل لكل شيء يمكن تصوره في الفكر، لا يصح في منطق العقل أن يكون هو الأصل. لأنه لو كان هو الأصل لاستحال أن يوجد شيءٌ ما.
إذن: فلابد أن يكون وجود موجودٍ ما، هو الأصل، ومن كان وجوده هو الأصل فإن وجوده لا يحتاج عقلاً لأية علّة، بل وجوده واجب عقلاً، ولا يصح في العقل تصور عدمه، وأي تساؤل عن علةٍ لوجوده لا يكون إلا على أساس اعتبار أن أصله العدم ثم وُجد، وهذا يتناقض مع الإقرار باستحالة أن يكون العدم العام الشامل هو الأصل الكلي.
ومن كان وجوده واجباً بالحتمية العقلية باعتبار أنه هو الأصل، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يتصف بصفات تستلزم أن يكون حادثاً.
أما ادعاء أصليّة الوجود للكون بصفاته المتغيرة فهو ادعاء باطل، وذلك بموجب الأدلة التي تثبت أنه حادث وليس أزلياً.
إن هذا الكون يحمل دائماً وباستمرار صفات حدوثه، تشهد بهذه الحقيقة النظرات العقلية المستندة إلى المشاهدات الحسية، وتشهد بها البحوث العلمية المختلفة في كل مجال من مجالات المعرفة، والقوانين العلمية التي توصل إليها العلماء الماديون.
وإذ قد ثبت أن هذا الكون عالم حادث، له بداية وله نهاية، فلا بد له حتماً من علة تسبّب له هذا الحدوث، وتخرجه من العدم إلى الوجود، وذلك لاستحالة تحول العدم بنفسه إلى الوجود.
أما ما لا يحمل في ذاته صفات تدل على حدوثه مطلقاً، وتقضي الضرورة العقلية بوجوده، فوجوده هو الأصل. لذلك فهو لا يحتاج أصلاً إلى موجد يوجده، وكل تساؤلٍ عن سبب وجوده تساؤل باطلٌ بالحتمية العقلية، لأنه أزلي واجب الوجود، ولا يمكن أن يكون غير ذلك عقلاً، وليس حادثاً حتى يتساءل الفكر عن سبب وجوده.
وهنا نقول: لو كانت صفات الكون تقتضي أزليته، لقلنا فيه أيضاً كذلك. لكن : صفات الكون المشاهدة المدروسة تثبت حدوثه.
يضاف إلى هذا أن مادة الكون الأولى عاجزة بطبيعتها عن المسيرة الارتقائية التي ترتقي بها ذاتياً إلى ظاهرة الحياة، فالحياة الراقية في الإنسان.
بهذا تنكشف للبصير المنصف المغالطة الشيطانية التي يوسوس بها الشيطان، وتخطر على أذهان بعض الناس، بمقتضى قصور رؤيتهم عن استيعاب كل جوانب الموضوع وزواياه، فهم بسبب هذا القصور في الرؤية يتساءلون: وما علّة وجود الله؟
إنها مغالطة تريد أن تجعل الأزلي حادثاً، وأن تجعل واجب الوجود عقلاً ممكن الوجود عقلاً وأن الأصل فيه العدم، ليتساءل الفكر عن علة وجوده. أو تريد أن توهم بأن ما قامت الأدلة على حدوثه هو أزلي، أو هو واجب الوجود لذاته، لتسوي بين الحادث والأزلي في عدم الحاجة إلى علةٍ لوجوده.
وتريد هذه المغالطة أن تطمس الضرورة العقلية التي تقضي بأن الأصل هو وجود موجودٍ أزلي، وهذا الموجود الأزلي لا يصح عقلاً أن يُسأل عن علة لوجوده مطلقا ؛ لتنافي هذا السؤال مع منطق العقل ، وهذا الموجود الأزلي لا يمكن أن تكون له صفات تستلزم حدوثه.
أما الكون فصفاته تستلزم - بالبراهين العقلية والأدلة العلمية المختلفة- حدوثه، لذلك كان لابد من السؤال عن علةٍ لوجوده، ولا تكون هذه العلة إلا من قبل الموجود الأزلي، الذي يقضي منطق العقل بضرورة وجوده، خارجاً عن حدود الزمن ذي البداية والنهاية، وخلاف ذلك مستحيل عقلاً.
والحدوث من العدم العام الشامل دون سببٍ من موجود سابق له مستحيلٌ عقلاً – كما سبق بيانه -