.........بقايا ذاكرة............................... وكأن القدر ولد من رحمه صدفة جعلت الماضي يقف امامي بكل تفاصيله, كانت عيناها تشع مثل عيني قط في ليلة ظلماء....عرفتها من ذلك البريق الذي احضرني امامها في احد الاسواق بعد عشرين عاما من الغياب ...نظرت اليها نظرة ممتدة وباحثة..وقلت: مرحبا امل ,قلتها بحزن مغلفة بفرح . قالت :اهلا..اهلين فارس ...كيف حالك ....ما هي اخبارك؟... ومدّت يدها, وسلّمت عليها,لاول مرة اكلمها ,كانت تخرج الحروف من فمها الصغير والمبتسم مثل قطع عملة جديدة تلمع في وجهي ,ترن في اذني, ولاول مرة المس يدها, كانت دافئة احسست بتيار يسري بشراييني, لم يتغير بها شيء سوى الجسد الذي كان مكتنزا وأصبح نحيفا زاده ذلك جمالا,..... لم تلتهم انياب الشيب خصلات شعرها, بقي كما هو اسود مسترسلا تربطه الى الخلف على شكل ذنبة فرس, فشل الزمن ان يغير ملامح وجهها ,بقي ابيض ناعما كالحرير لتوه نسجته دودة قز, وقف الزمن مكتوف الايدي امام قامتها المنتصبة والتي تشبه نخل العراق .....فاضت مياه الذكريات من سدها القديم...واخذت صور الماضي كشريط امامي....بدايته في بيتنا.. حين كنت اراها يوميا , كانت تأتي مع امها وتنام على ركبتها مثل قطة صغيرة في الغرفة الواسعة التي تشبه قلوب تلك الفتره التي دخل بها التلفاز بيتنا الوحيد في الحارة الكبيرة,كان البرج الذي يحمل لواقط الاستقبال المنغرس على سطح منزلنا المؤلف من غرفتين مثل علم يرفرف يوحي للناس بذلك..كان مثل متحف يزوره الاطفال والكبار,النساء يتوافدن ومعهن اكياس السكر عند امي للتهنئة, وكأنه مناسبة عظيمة,اصبح بيتنا يعج بالنساء والرجال وحتى الاطفال الذين يجلسون القرفصاء امام هذا التلفازالمركون بأحد زوايا الغرفة الكبيرة, ويتابعون احد المسلسلات المسائية, كان جسدها المكتنز ووجهها الدائري وشعرها الاسود وبشرتها البيضاء والملساء, وعينيها العسليتين تفوح منهما رائحة الانوثة المبكرة مثل رغيف خبز ناضج وساخن يثير لعاب المراهقين , رغم انها لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها,وضحكتها المصهلله التي اضافت على نغمة جسدها لحن الاغراء....يصرخ بداخلي نداء شهوانيا حين كانت تتقلب على ركبة امها محاولة النوم..وأنا مثل ذئب يراقب فريسته, انتظر لحظة ظهور حافة صدرها البارز,كانت تحرقني شعلة انوثتها المتدحرجة...أصاب برعاف المراهقين حين أرى نصف ساقها المنكشف حين كانت تتململ بحضن امها, كان ابيضا لامعا مثل سيف ينغرس بصدري.....وبعد ان زحف العمر قليلا,ونضجت رجولتي وبانت على صورتها الحقيقية, تحولت كل ا لتصورات والرغبات المجنونة الى حب مقدس, احافظ عليه كما يحافظ المؤمن على صلواته ...هكذا استقبلت لواقط قلبي حبها ...تصهرني الغيرة.... حتى صرت اغار من من ذرات الغبار الذي يلتصق على جبينها....من الريح التي تحرك خصلات شعرها ...من يد الباب الذي تفتحه..من الاشجار التي تنظر اليها............. .كنت اراها صباحا حين كان الفجر يولد من فمه الحياة وتفوح منه رائحة البن ,احتسي قهوتي الصباحية وادخن سيجارة وانفث دخانها على شكل دوائر كدائرة وجهها,ان اجمل شيء في الحياة ان يحتسي الرجل قهوته الصباحية ويدخن سيجارة وينظر الى المرأة الجميلة التي يحبها وتحبه وما تبقى تفاصيل تذوب في بحر السخرية ....ارقبها وهي ذاهبة الى المدرسة بمريولها الاخضر كانت مثل زهرة نبتت داخل حديقة خضراء , استنشق عبيرها الصباحي الى اقصى رئتي, وجهها المكتنز ووجنتيها المحمرتين مثل حبة خوخ ناضجة تفتحان لي شبق الحياة....ثصهرني بنظراتها الممتدة وابتسامتها الرقيقة يخفق قلبي,ويدق كالمطارق اسمعه بأذني....وعندما تعود ايابا الى البيت كنت انتظرها عند سور بيتنا ...تفتح باب بيتهم تنظر الي وتبتسم ابتسامة طويلة وتقف لحظات وتبدأ باغلاقه على مهلها ... أنتشي احس بأن الارض فقدت جاذبيتها ,وأطير وأحلق بحرية , لكن الخوف الذي استوطن بداخلي كان مثل قيد يكبل جسدي ويعيدني الى الارض...أحد الايام حشدت ارادتي لكي اقول لها كلمة عندما كانت على مسافة الصفر من سور منزلنا, أسبلت عيناها وابتسمت ابتسامة صغيرة توحي باستعدادها لتلقي اي كلمة..لكن الحروف يبست على شفتي وارتدت مثل حبال المشنقة على رقبتي احس بثفله.. كان الخوف ينز من كل جسدي ,راقبتها احد المرات من خلال ثقوب باب بيتنا المهتريء وهي تفتح باب منزلهم...بدأت باغلاقه رويدا رويدا ووقفت لحظات, ولمّا لم تجدني انتظرها اغلقت الباب بكل قوتها الجسدية, وخرج صوته مثل لغم ارضي, كسر سكون الحي ولم يكسر جبني...راودتني فكرة ان اكتب لها رسالة..كتبت ولكن سكين الخوف قطع حبال ارادتي لأن أقذفها لها...وهكذا بقيت لغة العيون هي الجسر الوحيد الذي يربطنا....لا ادري من اين نبع هذا الخوف وهذا الجبن , أهو من معلم الرياضيات صاحب الشنب الكبير والجسد القوي الذي كان يخيفنا ويجلدنا في بداية المرحلة الاعدادية...أذكره سألني احد المرات ما هو الجذر التكعيبي للعدد تسعة يا فارس؟ اجبته ببلاهة:اربعة..حينها قال للطلاب امسكوه, وجلدني اربعة جلدات.....أم من ابي حين سألته كم يبلغ تكاليف الزواج؟ قال : ولماذا يا فارس هذا السؤال؟...قلت :لا مجرد سؤال يا ابي...قال:بضيق اربعة الاف دينار وتابع وقال:احذر ان تضع هذا المشروع برأسك يا فارس,ترى بعدك صغير ولم تخرج من البيضة , وثانيا اننا لا نملك اربع قروش حتى نطعم اخوتك الصغار, ثم انك لا تملك قن دجاج... ولا ثمن باب لتستبدله ببابنا المهتريء..قلت لا يا ابي انا عمري اثنان وعشرون سنة هذا يعني اني كاسرها وخارج منها البيضة ’ وهذه شواربي صرن يربطن جمل,..قال طز فيك وبشواربك.......تطن الاقكار براسي ويعج بالصور..صورة الاستاذ القاسي والمخيف وشبح الفقر الذي يلفنا بخيمته السوداء وحديث ابي الذي ينز منه الاحباط والتراجع..............وصورة أمل الذي اصبح بيتهم يعج بالمتقدمين لخطبتها...وهي تنتظرمني فعل او كلمة او اشارة ليكون سيفا الى جانبها ترد به كل الطامعين بالزواج منها..... .آه كم اكره معلم الرياضيات ولغة الارقام ...... كنت اذوب كالشمعة امام نار الحيرة والعذاب والتخبط , ولما رأتني حجرا في مستنقع ولا احرك ساكنا..تزوجت...كان الخبر مثل قنبلة انفجرت يداخلي..اصبحت اشلاء...بلا ذاكرة....حاول احد الاصدقاء ترميمي بكأسين من الخمرة...هذه المرة الاولى من سنوات عمري التي ارى بها هذا المشروب السحري,شربنا حتى الثمالة...حتى وصلنا تخوم الجنون ...كنت اصرخ بالافق.... طز بالحب..طز بالفقر ...بالاستاذ .... بكل العالم .... وطز فيك يا فارس, انت ليس فارس ,انت ارنب مذعور وجائع, واجلد نفسي واقول :الخوف والفقر فأران يجران ورائهما ذيول الخيبة والرجل الذي لا يستطيع قتل فأر ليس رجلا ,انه جسد مهتريء مثل باب منزلنا, يحتاج الى مزبلة يدفن بها حيا..اصبحت ملامحي مشوهة وتشي بالحزن.... اصبحت مثل كومة من اثاث قديم بالي قذفه الفقر والخوف ......احسست بأن مياه الذكريات ستغرقني في هذه الثواني القليلة... لولا قبضة يدها التي ما زالت تمسك بكف يدي شّدت عليها وقالت:اين صرت؟ اين سبحت؟ قلت لا لم ازل مكاني ,انما اتذكر ان ابني اوصاني ان اشتري له كتاب تاريخ...قالت باي صف هو ؟ قلت :توجيهي .قالت ماشاء الله صاروا اولادك شباب.قلت: لا ادري كيف حصل هذا اذكر, انني تزوجت كما يتزاوج الذباب ويتكاثر.قالت:الى هذه الدرجة اوصلت بك الحياة.قلت: نعم , حياتي بعدك تشبه حياة الذباب.......لاول مرة اقف معها ...لاول مرة اكلمها ...لاول مرة المس يدها ...كان ذلك بفعل الخمرة التي ما زالت مقيمة براسي...والتي حشدت ارادتي وشجاعتي وانطلقت كلماتي مثل رصاصة بعد فوات الاوان ...آه لو كنت اعلم بان الخمرة تحمل معها حقن الشجاعة لسكرت وأنا بالاعدادية وضربت معلم الرياضيات بزجاجة وفججت رأسه,ولصرخت بوجه ابي وقلت له:صحيح يا ابي ان قلوبكم طيبة ولكنكم تحبون لباس ثياب الفقر وتحبون الجلوس على كرسيته, انتم كسالى تشبهون ديدان الارض لا تحبون الخروج الى سطحها...ماذا لو سكرت ذلك اليوم وقذفت اليها كلماتي او عملت اي شيء في سبيل ان نلتصق ببعض والى الابد , ان نسكن كهف وناكل الاعشاب والطيور البرية ويجمعنا قبر واحد , طوقتني سياج الاسئلة المغلفة باوراق الندم....في لحظات الهذيان هذه.... ضربت بيدها على كتفي بحنان وقالت: اين طرت ؟ قلت باجواء الماضي , قالت :انا لم اقصر...انتظرتك لفعل شيء , لكلمة,لاشارة,لطرت معك الى اي كهف ,نسكن تحت صخرة ,نأكل الهواء ومياه المطر,وهل تعلم اني اسميت ابني الكبير فارس على اسمك,احبه كما كنت احبك , وانت تعرف بأن المرأة لا يفتح قلبها الا مفتاح الشجاعة والكلمة التي تخرج من فم الرجل مثل رصاصة لتموت بين أحضانه. قلت معك حق, انت انسانة رائعة....سأبقى اعيش على ذكراك.. وقالت انت انسان رائع ونقي ,ولكن القدر يتدخل احيانا. .. .وكان سؤالي الاخير لها,عن سبب نحافتها واجابت:دودة السكري اكلت من جسدي ,واعاني بعض الخلل بوظائف الكبد, قلت لها لا تخافي ,هذه دودة العصر المهم ان تنتبهي وتتبعين حمية جيدة افضل من كل الادوية , وقلت لها بشجاعة قاصدا المداعبة : ان دودة السكري تتسلط على الناس الحلوين, صهلت بضحكة عالية وقوية رجّت جسدي ونفضت بعض غبار الحزن الملتصق بوجهي....وافترقنا....ذهبت الى البيت وجلست وحيدا بغرفتي,هاجمتني الذكريات...... ورائحتها , ورائحة الخمرة والدخان المنبعث من السجائر المتتالية من كل ناحية, وبدأت اتناول كأسا بعد الآخر ,وشربت نخب لقائها....حتى ثملت ونمت..وفي اليوم التالي ذهبت الى عملي الذي يشبه التسول,كنت اعمل كوّى في احد مشاغل الخياطة,كان يقع بجانب المستشفى الرئيسي,يصيبني الفضول كلما اسمع بوق سيارة الاسعاف وهو يزعق بفمه الكبير وضوءه الاحمر والذي يشير الى صعوبة الحالة...اصبحت من عاداتي ان ارى كل حالة يحضرها ... ساعة المساء احضرت احدى سيارات الاسعاف حالة, تجمع حولها عدد من الاطباء ...قلت بنفسي هذه حالتها خطرة جدا, دفعني الفضول ان اسال احد الاطباء عن هذه الحالة قال لي: سيدة مصابة بنوبة سكروادخلوها غرفة العناية المكثفة ... لم استطع رؤية وجه السيدة المغطى ...في هذه الليلة داهمني الارق وقلّب جسدي ,شربت كأسين محاولا النوم لكن لم تطاوعني عيناي ..... وعندما سبح آذان الفجر , رجّني صوت المؤذن حين صاح ...انتقلت الى رحمته تعالى السيدة أمل وسيشيع جثمانها الى مثواه الاخير غدا بعد صلاة الظهر.....شيّعت نفسي ....وبكيت كالاطفال ودموعي تهطل كالمطر....كانت مالحة كأنها حبات الملح , مرّة كمرارة الحياة المتبقية لي....انزلقت الى الحمام , تحّممت....انتعشت ...وتوضأت وأعلنت التوبة وصليت.......وقي اليوم التالي مساءً...ذهبت الى قبرها ...وضعت عليه باقة زهور, وقرأت على روحها الفاتحة،وارتميت عليه وقبلته ولم أعد أملك ...سوى قلم وعدة اوراق وبقايا ذاكرة صغيرة بحجم قبر تفوح منها رائحةالموت . عصام ضباية/مخيم جنين/فلسطين [/size[/color]][/color]